قُتل مرشد الجمهورية الإسلاميَّة، بمشهد يثير العجب العجاب، وكان الظَّن أن النظام يسقط ومرشده خارج الخطر، لأنه نائب الإمام، وللحصانة المحاط بها. لمراقب حوادث الثّورة الإيرانيَّة، وإلباسها الثوب الدينيّ بمنصب الولي الفقيه، تظهر له تحولات المصادفات إلى وقائع، وهذا قانون فلسفيّ ديالكتيكي، استحالة المصُّادفة إلى واقع، وهنا نتسلسل بالحوادث.
ولو أنَّ ليبيا القذافيّ لم تُغيب موسى الصَّدر(1978)، وكان يتحرك للحول دون الثورة الراديكالية، فهو مع البقاء على الشّاه وفرض القيود الدستوريَّة، وكان الصَّدر مؤثراً، صاحب كاريزما مثلما هو معروف عنه، وممكن أن ينجح بذلك.
لو أنَّ مصطفى الخمينيّ (1977) ظل مع والده لتغير الاتجاه، فكان يريد له المرجعيَّة الدِّينيّة، بعد محسن الحكيم (1970)، عارضه في الدروس التي يُلقيها على تلامذته، لتؤخذ وتُذاع مِن إذاعة بغداد القسم الفارسيّ (الطَّبطبائي، مذكراتي)، ثم جُمعت في «الحكومة الإسلاميَّة»، وأن مصطفى الخمينيّ ووالده، قاطعا الصَّدر، لاعترافه بمرجعيّة أبي القاسم الخوئي (1970-1992) (رايزنجاد، الشاه وأكراد العراق وشيعة لبنان).
فسلطان المرجعيَّة لا تهزّه العاصفات، النَّاس والسلاطين يأتونه، وهذا ما انتبه إليه الشريف الرضي (406هج)، وقال: «هيهات أعتزّ بالسّلطان ثانية/ قد ظلّ عندي ولاّج السَّلاطين (أبو الفداء، المختصر)، فخميني الابن يعرف «الفقهاء حُكام على الملوك»، وهذا ما كان عليه المراجع في العهود الإيرانية السابقة.
لو أنّ النظام العراقي سمع لطلب الشَّاه بعدم ترحيل الخميني مِن العراق، بعد أن تراجع عن طلبه الأول، ولو الشَّاه وافق على إقامته بالكويت بدلاً مِن فرنسا، لِما استطاع بما قام به مِن إعلام للثورة وتجمع الثائرين حوله، ولو أن فرنسا لم تقدم التَّسهيلات الإعلامية الضخمة للخميني وفريقه، فيبقى تحرُّكه محدوداً، وربّما لم يستطع العودة، لتغير وجه الثّورة، وليس مثلما أراد لها رجال دين كبار مثل محمد كاظم شريعتمداري، ونُكمل لو أنّ شريعتمداريّ ومراجع آخرين لم يحصّنوا الخميني بلقب آية الله (1963)، لخضع للمحاكمة وانقطع دوره المستقبلي، مرشد الجمهورية والثّورة.
لو أنّ آية الله عليّ خامنئي (2026) لم يُستبدل بآية الله حسين منتظريّ (2009)، أو يُقال الأخير كوريث للخميني في ولاية الفقيه، لتغيّرت أمور كثيرة، فالأخير كان ضد تصدير الثّورة، وهو ما جعل للجمهوريَّة الإسلاميّة أعداء أكثر مِن الأصدقاء، وأخذ قادته يصرّحون بالهيمنة على أربعة عواصم، وكان منتظري، حسب مذكراته، ينصح بالابتعاد عن الثورة الدائمة خارج الحدود.
أخيراً، لو أن صدام حسين لم يُستبدل بأحمد حسن البكر (1979) بعد الثورة الإيرانية بشهور، لتغير المشهد، حسب البرقيتين الهادئتين بين البكر والخميني بُعيد الثورة، وترتيب تعاون بين الجمهوريتين، لتغير المشهد، فللخميني علاقة مع رئاسة الجمهوريّة في زمن البكر، وكان ولده الأكبر مصطفى يتردد على القصر الجمهوريّ بالمطاليب الخاصة بوالده والإيرانيين المحسوبين عليه، وقد تغيرت اللهجة بعد وصول صدام إلى الرئاسة، فأعلنت إيران تصدير الثورة بقوة داخل العراق، واندلعت الحرب التي جعلت الجيش الشاهنشاهي يقف إلى جانب الثورة، فربّما ضاعت فرص تغيير النّظام، فظروف الحرب صعدت العناصر الدينية المتشددة، وأزاحت القوى المعتدلة: بني صدر، وزادة، وبازركان وغيرهم.
لكن أقدم «لو أنَّ»، وهذا مِن باب الطرافة: أهل خمين لم يحملوا معهم مِن النَّجف أحمد الموسوي القادم مِن الهند، ليكون فقيههم، ويُهتف لحفيده عندما نال الزّعامة السّياسية: «خميني رهبر»، وإلا لظل مِن العائلات النّجفية، ليس لها بالثورة ولا الثوار داخل إيران.
نجد في كل واحدة مِن التمنيات للثورة الإيرانيَّة، وهي مصادفات لم يُكتب لها أن تكون واقعات، لتغيّر وجه إيران والعراق والمنطقة. لكن جاء في المثل «زرعوا الـ لو وما خضر»، لينتهي مشهد الثّورة ومرشدها إلى ما آلت إليه الحادثات الجِسام. هذا، ولا يُعلم عن مصير عقيدة النِّظام، فخامنئي باركته قداسة الخميني، فمَن يُبارك للمرشد الثَّالث، هذا إذا ظلت الولاية عقيدة رسميَّة.
*كاتب عراقي


