حين ينقشع غبار الحروب، يتقدّم سؤال الغد إلى الواجهة بوصفه الامتحان الحقيقي لرسوخ الدول. فالتاريخ السياسي يكشف أن اللحظة الهادئة التي تعقب العاصفة تحمل في طيّاتها معاني أعمق من صخب المواجهة نفسها، إذ تتكشف فيها قدرة الدول على استعادة اتزانها، وتوجيه طاقتها نحو التعافي والبناء، واستئناف مسار التنمية بثقةٍ راسخة تنبع من وعي عميق بمعنى الاستقرار ومكانته في مسار الحضارات. ومن هذا الأفق التأملي يتضح المقصود بـ«اليوم التالي للحرب» في سياق الحرب الراهنة في الشرق الأوسط والعدوان الإيراني على دول الخليج، حيث تتباين الفلسفات السياسية التي تحكم سلوك الدول.
فالفكر السياسي، منذ أرسطو وحتى الفلسفات المعاصرة، يربط ازدهار الدولة بقدرتها على تحويل التوتر إلى لحظة مراجعة وبناء، وتوجيه القوة نحو ترسيخ الأمان والتنمية، في حين يكشف مسار الأزمات طبيعة الرؤى التي تحكم الدول وموقع المستقبل في حساباتها الاستراتيجية. تُظهر التجارب السياسية أن الاعتداءات السافرة على سيادة الدول بالصواريخ والمسيّرات، ومن يستثمرها سياسياً وإعلامياً في حملات صاخبة، تعكس ذهنية مأزومة تراهن على الضجيج أكثر من الرؤية. غير أن ميزان السياسة الدولية يقيس القوة بمعايير أعمق من لحظة التصعيد، فالدول الراسخة تُدرك أن الضجيج يبهت سريعاً أمام مصداقية السياسات الحكيمة والمؤسسات الرشيدة. ومن هنا تتبدّد رهانات الفوضى، إذ تكشف الوقائع أن البناء المتراكم في الاقتصاد والعلاقات الدولية يرسّخ ثقة العالم بالدول التي اختارت طريق السلام والاعتدال والازدهار.
وفي هذا السياق تبدو الفجوة واضحة بين مسارين في المنطقة: مسار راديكالي يلوّح بالصواريخ والمسيّرات، بجانب انتهازيين يخوضون معاركهم في فضاء الحملات السياسية والإعلامية، ومسار آخر يرسّخ حضوره عبر الرّدع الذاتي الحصين، والرهان على الشراكات والاستقرار والتنمية، ويسخّر طاقاته وإمكانياته لتطوير نموذجه. والعالم يقرأ هذه المفارقة في لغة النتائج، حيث تصمد وتتقدم الدول التي تُحسن بناء تصوراتها لغايتها ورؤيتها، وتبني اقتصادها وتوسّع دوائر تعاونها الدولي لخدمة شعوبها. بينما تنهار وتتراجع الدول التي تجعل من الصراع والمشاريع الأيديولوجية والتوتر أداة دائمة لإدارة السياسة. هكذا يتحول الفرق بين الضجيج والحكمة إلى حقيقة جيوسياسية يراها العالم بوضوح. الفكر السياسي يقدّم تفسيراً عميقاً لهذه الظاهرة، إذ يشير أرسطو إلى أن رسوخ الدولة يرتبط بقدرتها على تحقيق الخير العام لمجتمعها، ويذهب ابن خلدون إلى أن العمران يزدهر حين تكون غاية السلطة رعاية مصالح الناس وتنمية مواردهم.
وضمن هذا الإطار يتضح أن الأنظمة والسياسات التي تُرهِن نفسها لغايات راديكالية، وتُغذّي التطرف والإرهاب تستنزف طاقة الدولة وتسرّع تآكل شرعيتها التاريخية ووجودها، في حين يفتح الاستثمار في المجتمع والإنسان، والاعتماد على والاقتصاد والبناء، أبواب الاستقرار ويمنح الدولة مكانة راسخة في ميزان التاريخ. ومن هذه الزاوية يظهر التباين بين نموذجين في الشرق الأوسط. نموذج دول الخليج، ودولة الإمارات: التي تبني سياساتها على رؤية طويلة المدى تضع الإنسان والتنمية وصناعة المستقبل في صدارة الأولويات.
الاستثمار في المعرفة، ومشاريع التطوير والبنية التحتية، وبرامج التقدم العلمي والتكنولوجي، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، كلها تعبير عن دول تنظر إلى المستقبل باعتباره أفقها الطبيعي. في المقابل نموذج النظام الإيراني: المأزوم في بنيته الفكرية والسياسية، إذ تعكس ممارساته اضطراباً في تصوّره للدولة وغايتها ومعنى وجودها السياسي. وتتجه طاقاته نحو مشاريع نفوذ تُدار عبر أدوات غير شرعية، بينما تغدو مصالح شعبه في آخر سلّم أولوياته.
هنا يكتسب مفهوم «اليوم التالي للحرب» معناه الأعمق. فالدول التي تمتلك رؤية مستقبلية رشيدة ومشروعاً تنموياً واضحاً تدخل هذا اليوم وهي واثقة بقدرتها على استئناف البناء وتعزيز الاستقرار. أما الأنظمة التي استنزفت طاقتها في الصدام مع العالم والعدوان على جيرانها، - إن بقيت وصمدت - فستجد نفسها أمام مستقبل مضطرب يحتاج إلى مراجعة وإعادة بناء فكرية وسياسية شاملة. هكذا يكشف الغد، في نهاية المطاف، الفرق بين دولةٍ تصنع تاريخها عبر التنمية، ونظامٍ يترك الأحداث تقوده في مسارٍ تتراكم فيه الأزمات. وفي ميزان التاريخ، تتجلّى قيمة الدول بقدرتها على تحويل العواصف إلى لحظات نضجٍ تعزّز استقرارها وتوسّع آفاق ازدهارها. فالمستقبل يفتح أبوابه أمام من يبنيه بعقلٍ رشيد ورؤيةٍ بعيدة. وحين يهدأ صخب الأزمات، يبقى البناء وحده اللغة التي يكتب بها الحكماء تاريخ الغد.
*كاتب إماراتي


