نعيش في عصر تتفاقم فيه الكوارث المناخية. فالأعاصير تؤدي إلى انقطاع الكهرباء، ما يجعل موجات الحر أكثر قسوة. وموجات الحر تُصلّب التربة وتجعل الفيضانات أسوأ. وقد يكون نهر كولورادو على وشك تقديم أكثر الكوارث تعقيداً وتداخلاً على الإطلاق.
يُعاني النهر، الذي يزود 40 مليون نسمة بالمياه، من نقصٍ في المياه منذ عقود مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب واستهلاك الملايين له بشكلٍ مُفرط، ثم جاء الشتاء الماضي، الذي كان دافئاً بشكلٍ غير معتاد في الجبال التي ينبع منها نهر كولورادو. وقد أدّى ذلك إلى نقصٍ حادٍ في الثلوج في تلك الجبال، ما يعني انخفاض كمية المياه التي تذوب وتغذي النهر في الربيع والصيف.
والآن تأتي موجة حر ستقضي سريعاً على ما تبقى من تلك الثلوج القليلة. وكأن ذلك ليس كافياً، فإن الولايات الواقعة على طول النهر تكافح للتوصل إلى اتفاق حول كيفية تقاسم هذا المورد الذي تضاءل بنسبة 20% منذ بداية القرن. وقد يكون الحكم النهائي في هذا النزاع حكومةً فيدراليةً ترفض الاعتراف بتغير المناخ أصلاً. بدون خطة واقعية، فإن أسوأ ما في هذه الكارثة البطيئة لم يأتِ بعد.
إليكم كيف تطورت مراحلها الأخيرة:
في مناطق شاسعة من غرب الولايات المتحدة، كان الشتاء الماضي الأشد حرارة منذ 131 عاماً، وشهدت تسع ولايات، من بينها الولايات الأربع الواقعة في حوض نهر كولورادو العلوي، أشد فصول الشتاء حرارة على الإطلاق. وأسهمت هذه الحرارة الشديدة في واحدة من أسوأ موجات «الجفاف الثلجي» المسجلة. فقد بلغ مخزون الثلوج في ولايات الحوض العلوي، كولورادو ونيو مكسيكو ويوتا ووايومنج، مؤخراً 59% فقط من متوسطه على مدى 30 عاماً، وهو أدنى مستوى له منذ عقد على الأقل، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية التي جمعها موقع Water-Data.com.
هذا يثير كارثة مترتبة أخرى يجب أخذها في الاعتبار، إذ توقع مكتب استصلاح الأراضي الشهر الماضي أن بحيرة باول، الخزان الرئيس قرب الحدود بين الحوضين العلوي والسفلي، لن تتلقى سوى 52% من تدفقها المعتاد من ذوبان الثلوج هذا العام.
لا يُمكن لبحيرة باول تحمّل انخفاض منسوب المياه فيها. فقد بلغ منسوبها مؤخراً 24% فقط من سعتها، أي أقل بـ 170 قدماً من مستوى «الامتلاء الكامل» (هو المستوى الذي يصل إليه الخزان عندما يكون ممتلئاً تقريباً إلى أقصى سعة تصميمية له)، وأقل بـ 160 قدماً فقط من مستوى «المخزون الميت» (هو المستوى المنخفض جداً الذي إذا وصلت إليه المياه، لا يمكن استخدامها عبر السد)، حيث يتعذر حينها تصريف المياه من سد لين كانيون. وهذا سيُمثّل كارثةً لولايات أريزونا وكاليفورنيا ونيفادا الواقعة في الحوض السفلي.
وعلى المدى الأقرب، لا يفصل الخزان سوى 40 قدماً عن مستوى «الحد الأدنى لتوليد الطاقة»، الذي دونه لن تتمكن توربينات محطة الطاقة الكهرومائية في سد جلين كانيون من العمل. وهذه المحطة تخدم سبع ولايات غربية، وتولد 5 مليارات كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، وهو ما يكفي لتزويد 500 ألف منزل بالطاقة. ويحتاج الغرب الأميركي، الذي يزداد امتلاءً بمراكز البيانات، بشدة إلى هذا المصدر من الكهرباء..
وعودة إلى الكارثة الأساسية: بعد بعض فصول الشتاء الجافة في الماضي أنقذ تساقط الثلوج الكثيفة في الربيع نهر كولورادو بتعزيز طبقة الثلوج المتراكمة. لكن قد لا يحالفه الحظ هذا العام. إذ إن موجة حر غير اعتيادية استقرت في المنطقة في الأيام الأخيرة، ومن المتوقع أن تشتد وتستمر في الأيام المقبلة، وربما تحطم أرقاماً قياسية لدرجات الحرارة في مارس.
«دانيال سوين»، عالم المناخ في جامعة كاليفورنيا للزراعة والموارد الطبيعية، قال عبر مقطع فيديو نُشر مؤخراً: «نتحدث عن احتمال أن تستمرّ درجات الحرارة لأكثر من 80 درجة فهرنهايت على ارتفاع 6000 قدم في جبال روكي لمدة أسبوع إلى أسبوعين في مارس، وقد تصل في بعض المناطق إلى 90 درجة». وستؤدي هذه الحرارة إلى تبخّر وذوبان ما تبقى من الثلوج، ليس فقط في حوض نهر كولورادو العلوي، بل في جميع أنحاء غرب الولايات المتحدة. وحذّر سوين من أن الغطاء الثلجي في بعض المناطق قد يختفي في وقت مبكر من الأول من أبريل، أي أبكر بكثير من المعتاد.
وبالطبع، يتحوّل الثلج الذائب إلى ماء. لكنّه لن يكون كافياً لتعويض النقص الحادّ في نهر كولورادو ومصادر المياه الأخرى. ولن تتمكن أنظمة المياه المصممة لذوبان الثلوج البطيء، والتي كانت تستمرّ لأشهر في السابق، من استيعاب جزء كبير منه. في ذروة الصيف، عندما تكون المزارع والسكان والمصانع ومراكز البيانات في أمسّ الحاجة إلى المياه، لن تكون متوفرة.
يُضفي هذا الاحتمال مزيداً من الإلحاح على المفاوضات التي لا تنتهي بين الولايات الواقعة على طول النهر بشأن اتفاقية جديدة لتقاسم مياهه. ترغب ولايات الحوض السفلي في أن تستهلك ولايات الحوض العلوي كميات أقل، والعكس صحيح. وقد فوّت المفاوضون المواعيد النهائية مراراً وتكراراً للتوصل إلى اتفاق. لا بدّ لوزارة الداخلية من التدخل في مرحلة ما، لكن ولايات الحوضين السفلي والعلوي تتفق جميعها على رفض الحلول التي اقترحتها.
ليس من المطمئن أن وزير الداخلية «دوج بورجوم» يتجاهل باستمرار المخاوف بشأن تغير المناخ، مُدّعياً بتفاؤل أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تُحفّز نمو النباتات. لقد كانت وزارته إحدى الأسلحة الرئيسة للرئيس دونالد ترامب في حملته ضد الطاقة النظيفة وسعيه لزيادة استخدام الوقود الأحفوري الذي يُسهم في ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
لقد جعل تغير المناخ موجات الجفاف والحر المتكررة في الغرب الأميركي أكثر احتمالاً، وهي عملية ستشتد ما لم تُبذل جهود للحد من ارتفاع حرارة الأرض. وهذا بدوره سيحرم نهر كولورادو من الأمطار وذوبان الثلوج في المستقبل. ولن ينجح أي توزيع مستقبلي لموارده إذا لم يأخذ هذه الحقيقة في الحسبان. وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات على طول النهر الاستعداد لمستقبل تقل فيه المياه كثيراً.
إن القادة غير الأكفاء والبنية التحتية المتردية يعملون كمضاعفات للكوارث الطبيعية، وغالباً ما يحولون أحداثاً جوية عادية إلى مآسٍ. وسواء تعلق الأمر بإدارة المناخ أو نهر كولورادو، فإن قادتنا حتى الآن لم يظهروا قدراً كبيراً من البصيرة. واكتساب هذه الصفة الآن قد يجعل الكارثة المتفاقمة للنهر أكثر قابلية للإدارة.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»


