ارتبطت البوصلة بذاكرة البحر والملاحة، فهي التي تحدد الاتجاه وسط لجّة الموج الصاخب، وهي الأداة الموصلة إلى بر الأمان.. والإبحار في لجج الحياة بلا بوصلة مرادف حتمي للتخبط والحيرة، يجر صاحبه نحو ضفاف الفشل والضياع، ومن هنا فإن رمزية البوصلة تتجاوز معناها الميكانيكي لتعبّر عن دقة صناعة القرار بوعي، والوصول لأهداف منشودة وغايات نبيلة.
وفي هذا المقام أستعير هذا المصطلح من الحكمة العميقة، والرؤية الاستراتيجية الحازمة لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، الذي يستشرف المستقبل في قوله: «إذا الإنسان ما عنده بوصلة، وبوصلته واضحة، واتجاهه محدد وواضح في حياته..، ويضيع البوصلة، يدفع الضريبة».
إنها كلمة عظيمة من القائد الذي يضع يده على الجرح، محذراً من كلفة غياب الاتجاه، فبهذا المنطق الصارم تتمايز الدول والشعوب والقيادات، في الأوقات المضطربة، والمنعطفات الصعبة، حين يعجز الكثيرون عن الانعتاق من عتمة الرؤية إلى نور الوضوح، لأن البوصلة معدومة، فلا نجد لأصحابها ثباتاً إذ تتقاذفهم الأمواج.
يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني!!
ومن هنا تبرز دولة الإمارات - قيادة وشعباً ومجتمعاً - كعلامة فارقة صقلها الوعي، وسيَّجها العزم، تقود الجميع نحو: «بوصلة الوطن» بمعانيها المتسعة في كل اتجاهاتها، ثبات على المبادئ، واستشراف للمستقبل، وتسمية للأسماء بمسمياتها، ومسالمة للأصدقاء، ومجابهة للأعداء، ووثوق بالنموذج التنموي الأفضل، واسترشاد بعقل مستنير، الذي يمضي إلى الصراط المستقيم، دون التفات.
فمن كان الوطن بوصلته أبصر الطريق، وأسرع في الوصول إلى نبيل المطالب، ومن فقدها فقد فَقَد بصره وبصيرته «أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة الملك، الآية٢٢)،  ولنا في التاريخ عبرة، فكل من انتصر فيه، كان يقينهم بالوطن هو السلاح الأول قبل ضبط خطوط النار.. وفي زمن تتزاحم فيه المشاريع الفكرية، وتتنازع فيه الأيديولوجيات عقول الشباب، تبرز الحاجة إلى بوصلة الوطن بوصفها أوثق الأواصر، والركيزة الأساس التي تُحدّد الاتجاه، وتشدّ العزائم، وتمنح الإنسان يقيناً لا يتزعزع.
أما من يفتقدها فإن الشك والحيرة يتسللان إلى وعيه دون أية حماية، فيتحول إلى «جدار يريد أن ينقض»، مهدّداً بالتداعي والتبعية، والاختطاف الفكري، أو التخاذل الذي ينتهي به إلى ما لا تحمد عقباه، «كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً» (سورة النحل، من الآية ٩٢). 
ولكن لماذا نلجأ إلى الحديث عن بوصلة الوطن تحديدا الآن؟
إن الجواب عن هذا السؤال تصيغه معادلة وجودية: فحين يفقد الشخص بوصلة وطنه تتقدم المشاريع البديلة فوراً نحوه، لاستقطابه واختطافه، فالوعي لا يقبل الفراغ، وتلك المشاريع الماكرة تعمل ليل نهار على تحقيق هذا الهدف، فمن أضاع بوصلة الوطن أضاع السّياج الفكري، والدرع الواقية التي تحمي المجتمع وعقول الشباب، من الانجراف خلف شعارات براقة، أو ولاءات مستوردة، أو أيديولوجيات مسيَّسة، تتستر برداء الدين أو أستارٍ بالية أخرى. فقل لي ما بوصلتك.. أقل لك من أنت!
وكم حاولت التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها التحالفات الظلامية الخبيثة لجماعة «الإخوان» الإرهابية، أن تقوّض هذه البوصلة، وتجتثها من قلوب المجتمعات، من أجل صناعة مرجعيات خارجية، وأن تنقل ولاءات الشعوب من دولها الوطنية إلى كيانات أخرى مارقة... وقد تجلّى هذا الخطر بوضوح بعد «الثورة الإيرانية» على سبيل المثال عام 1979، حيث تغيّرت المسارات الفكرية، وحُرِّفت البوصلات، وأصبحت «قم» ومثيلاتها مراكز تصنع التبعية المطلقة، وتهدّم مفهوم الدولة الوطنية لصالح مشروع تصدير الثورة، أو الصحوة بآلات أيديولوجية.
وقد تلاقت تلك المصالح في نقطة الهدم المشترك للدولة الوطنية، وفي هذا السياق، يعتقد منظرو «الإخوان» أن: «الثورة الإيرانية كسرت إلى حدٍّ كبير ذلك القالب العقدي الذي سُجِنّا فيه»، ولم تكن هذه المقولة فلتة لسان عابرة، بل كانت تعبيراً عن تماهٍ لمشروع أيديولوجي عابر للأوطان.
إن هذا التقاطع يكشف تياراً عقائدياً ممتداً وناظماً، يستهدف انتزاع الشباب من هويته ودولته لصالح كيانات ودول أيديولوجية تدار من الخارج. وهنا تتأكد الحاجة المصيرية لإعادة توجيه وتسديد البوصلة الوطنية لدى الأجيال، وتفعيل أدواتها عبر مناهج تعليمية، وخطاب ديني مستنير، ومحتوى ثقافي رصين، وإعلام واعٍ، وشعر وطني يستنهض الهمم ويحمي الذاكرة التاريخية.
إن تلك المشاريع الأيديولوجية على اختلاف أنماطها وأفكارها، وشعاراتها، وطريقة عملها، تلتقي جميعها حول قاسم مشترك واحد وهو: تفكيك الدولة الوطنية - خاصة تلك المتذبذبة في بوصلتها- وخطف ولاءات الشباب وتحويلهم إلى مجرد أدوات في مشاريع الآخرين.
وفي محصلة القول: إن من الضروري للدفاع عن الأوطان تحديد بوصلة الوطن الناصعة الساطعة، لتُحصّن العقل من التلاعب، وتمنحه توجُّهاً آمناً نحو البناء والاستقرار، وتجعل الفرد جزءاً من وطنه، موالياً لقيادته، منتمياً لمجتمعه، ومتحصّناً بوعيه، لا تابعاً لأجندات تتلاعب به كما تتلاعب الرياح بمن لا جذور له، ومن ليست له بوصلة سيدفع الثمن غالياً: «فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.