قد يكون تراجع السيناتور «جون كورنين» عن موقفه بشأن حق النقض في مجلس الشيوخ صادقاً أو غير صادق، لكنه منطقي. فقد كتب «الجمهوري» عن ولاية تكساس، الذي يواجه منافسةً شرسةً في الانتخابات التمهيدية من اليمين، في صحيفة «نيويورك بوست» أنه مستعدّ للتنازل عن شرط الحصول على 60 صوتاً في مجلس الشيوخ لتمرير قواعد انتخابية جديدة صارمة يفضّلها الرئيس دونالد ترامب. هذا الحدّ الأعلى للأغلبية في معظم التشريعات كان تاريخياً، يجعل من الصعب على الحزب صاحب الأغلبية أن يفرض إرادتَه بالكامل على الأقلية. ويرى كورنين (الذي أمضى قرابة ربع قرن في مجلس الشيوخ) أن هذا الترتيب كان منطقياً في السابق، لكن الحزب الديمقراطي اليوم لم يَعُد جديراً بالثقة في احترامه!

وقد يكون لديه بعض الحق في ذلك. فقد حاول «الديمقراطيون» إلغاءَ قاعدة التعطيل خلال رئاسة جو بايدن. ففي عام 2022 صوّت 48 سيناتوراً «ديمقراطياً» لصالح تعليق هذا الحاجز الإجرائي وإعادة كتابة قوانين الانتخابات في البلاد بتصويت حزبي خالص. وكما يشير كورنين، فإن المعارضَين الوحيدَين لذلك، وهما «جو مانشين» (من ولاية فرجينيا الغربية) و«كيرستن سينيما» (من أريزونا)، لم يتمكنا من البقاء داخل الحزب الديمقراطي، ولم يعودا الآن في مجلس الشيوخ. ويرى كورنين أن هذه المواجهة الحاسمة تعني أن قاعدة التعطيل (الفيلبستر) ستنتهي بمجرد سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ مجدداً، وأن على الحزب الجمهوري أن يتصرف دفاعاً عن نفسه. كما يقول: «إذا حاول أحدهم مهاجمتك وأخطأك بصعوبة، فهذا لا يجعله مسالماً، بل يعني فقط أنه لا يُحسن التصويب». ويضيف أن الديمقراطيين قد وجّهوا ضربتَهم بالفعل، وعلى الحزب الجمهوري أن يردّ قبل القضاء عليه سياسياً. وربما لا يملك الجمهوريون الأصوات الكافية لتمرير قانون الانتخابات الذي يُفضّله ترامب أو أي تشريع آخر في هذا الكونجرس، لكن نسبة أعضاء كتلة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ المستعدين للمغامرة تتزايد.

لم ينجح تصعيد الديمقراطيين في عام 2022 في القضاء على حق الفيتو في مجلس الشيوخ، ولكنه أضعف الرّدع المتبادل الذي يعتمد عليه هذا الحق. ويحمل ذلك المنطق الحزبي دروساً لحرب ترامب على إيران. ولطالما كانت إيران معادية للولايات المتحدة لعقود.

لكن هذه الأخيرة نجحت منذ زمن طويل في ردع النظام الإيراني عن اتخاذ الخطوتين الأكثر تهديداً للمصالح الأميركية: إغلاق مضيق هرمز وبناء سلاح نووي. وفي بعض الأحيان، تطلّب الحفاظ على هذا الرّدع استخدام القوة العسكرية. ففي عام 1988، ألحق لغم إيراني أضراراً بالغة بسفينة تابعة للبحرية الأميركية في الخليج العربي. وردّ الرئيس رونالد ريجان بتدمير نصف الأسطول الإيراني في عملية «فرس النبي». وفي العام الماضي، عرقل ترامب البرنامج النووي الإيراني بقنابل خارقة للتحصينات في عملية «مطرقة منتصف الليل». أما عملية «الغضب الملحمي» الجارية فهي مختلفة. لم يكن الهدف ردع النظام بقدر ما كان تدميره. وقد أسفر القصف الأميركي الإسرائيلي عن مقتل العشرات من كبار المسؤولين الإيرانيين، بمَنْ فيهم المرشد الأعلى، في الأيام الأولى للعملية.

وردَّ النظام بالاعتداء على جيرانه عبر إطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز. إذا نجا النظام من محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل لإطاحته، كما يبدو مرجحاً، فأين سيبقى الردع؟ لنَعُدْ إلى منطق كورنين بشأن المماطلة البرلمانية: إذا «وجّه خصمك ضربةً إليك وكاد يخطئك، فستكون أحمق إنْ سمحت لذلك أن يردعك في المستقبل. ينهار الردع في مجلس الشيوخ لأن الجمهوريين يرون بالفعل أن الديمقراطيين قد تجاوزوا نقطة اللاعودة. وهناك احتمال كبير أن تنظر العناصر المتبقية من النظام الإيراني إلى الولايات المتحدة بالطريقة نفسها. كما هو الحال مع قاعدة تعطيل مجلس الشيوخ، ثمّة رأيٌ مفاده أن الردع المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران كان منطقياً لكلا الطرفين، ليس في كل القضايا بالطبع، ولكن في القضايا الحاسمة المتعلقة بالأسلحة النووية ومضيق هرمز. والآن، بعد أن حاول أحد الطرفين القضاء على الآخر، سيصبح ضبط النفس أكثر صعوبة في المستقبل.

وعندما يتلاشى الردع، يصبح إضعاف قدرة الخصم أكثر أهمية. إذا أرادت الولايات المتحدة وإسرائيل منع إيران من إغلاق المضيق أو السعي لامتلاك سلاح نووي، فعليهما التأكد من أنها لن تعيد بناء قدرتها على ذلك بعد هذه الحرب. ستكون هذه عملية شاقّة، ومن المرجّح أن تتطلب المزيد من الهجمات. وليس هناك ما يضمن أن الرئيس الأميركي القادم سيكون مستعداً لهذا. لذا، فأفضل أمل لتجنُّب تورُّط طويل الأمد هو أن تظل إيران قابلة للردع في فترة ما بعد الحرب. ربما تتمتع الولايات المتحدة بنفوذٍ هائلٍ يمكّنها من التأثير على سلوك النظام الإيراني عبر إجراءاتٍ لا تصل إلى حدّ الحرب.

ومع أن كورنين قد أعلن تغيير موقفه، فإن العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ما زالوا يترددون في إلغاء قاعدة التعطيل في المجلس، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوفهم من ردِّ فعلٍ ديمقراطيٍّ ساحق (كتوسيع المحكمة العليا) عندما تنقلب الموازين. لكن يبدو من المرجح أن ينجح أحد الحزبين في تفعيل الخيار النووي في مجلس الشيوخ خلال العِقد أو العِقدين القادمين. ولحُسن الحظ، انخفضت احتمالات امتلاك إيران قنبلةً نووية بشكل كبير، لكني أخشى أنها أعلى مما كانت عليه قبل هذه الحرب.

جيسون ويليك*

*كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»