باتت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عالمياً في إدارة فائض الغذاء والحد من هدره، من خلال مبادرات رائدة مثل المبادرة الوطنية للحد من فقد وهدر الغذاء «نعمة»، التي أُطلقت تأكيداً على رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لأهمية مواجهة فقد وهدر الغذاء، وتشجيع المسؤولية الاجتماعية، وتعزيز الممارسات المستدامة عبر سلسلة الإمداد الغذائي، وبالتالي المساهمة بنهوض الأمن الغذائي.وتعمل «نعمة»، التي أثبتت فعاليتها في ترسيخ ثقافة الاستدامة، على تحويل فائض الغذاء الذي لا يزال صالحاً للاستهلاك إلى وجبات غذائية متكاملة تُقدَّم للمستحقين والمحتاجين، بدلاً من أن ينتهي مصيره في مدافن النفايات، وتأتي هذه الجهود كجزء من استراتيجية الإمارات لتحقيق خفض فقد وهدر الغذاء إلى النصف بحلول عام 2030، بما يعكس التزام الدولة بالحفاظ على الموارد وتحسين جودة الحياة.
وخلال شهر رمضان المبارك 2026، عكست مبادرة «نعمة»، التي انبثقت نتيجة التعاون المشترك بين وزارة التغير المناخي والبيئة ومؤسسة الإمارات والعديد من الشركاء الآخرين، تحولاً في إدارة الفائض الغذائي، إذ توسّع نطاق عملياتها بشكل غير مسبوق، بمساهمة أكثر من 84 جهة من قطاع الضيافة والفنادق في إعادة توجيه وجبات فائضة غير مستهلكة من بوفيهات الإفطار إلى شبكة واسعة من «ثلاجات نعمة المجتمعية» المنتشرة في العديد من المواقع، بما يعزز كفاءة التوزيع ويضمن وصول الغذاء للمستفيدين بصورة منظمة.
وتشكّل الشراكات التشغيلية بين «نعمة» و«بنك الإمارات للطعام» نموذجاً متقدماً في إدارة فائض الغذاء بأسلوب مؤسسي ومستدام، حيث يُحوَّل الفائض غير الصالح للاستهلاك إلى منتجات مثل الزيوت أو السماد الزراعي ضمن إطار الاقتصاد الدائري. وتستفيد هذه الشراكات من خبرات متخصّصة في إعادة التدوير، كما تشمل برامج توعية لتشجيع المجتمع على ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر الغذائي، بما يسهم في تعزيز الاستدامة.
وتعكس مبادرة «نعمة» قدرة دولة الإمارات على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز التكافل الاجتماعي وحماية الموارد الطبيعية، وتقليل البصمة البيئية بشكل ملموس، ودعم الأمن الغذائي في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. كما تعمل هذه الجهود على تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص وتشجيع الابتكار في حلول الغذاء المستدامة، بما يضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.
وقد سجلت «نعمة» نمواً ملحوظاً في حجم الوجبات المنقذة والمعاد توجيهها، إذ ارتفع العدد من نحو 3132 وجبة في عام 2023 إلى نحو 39000 وجبة في 2025، ما يعكس تطور كفاءة منظومة العمل، وتطور التنسيق بين المبادرة وشركائها، ويشير إلى قدرتها على التوسع واستدامة الأثر الاجتماعي والبيئي بشكل ملموس.
ولعله من المهم التأكيد في هذا السياق على أن مساهمة «نعمة» في إدارة فائض الغذاء تمتد لتشمل الأبعاد البيئية، ما يجعلها أحد أهم برامج الإمارات الوطنية للاستدامة، التي تسهم بشكل فعّال في بناء مجتمع أكثر كفاءة ووعياً في استخدام الموارد، وتعزز مفهوم المسؤولية المشتركة بين الأفراد والمؤسسات، وتوفر حلولاً مبتكرة لمعالجة الهدر الغذائي، كما تدعم استراتيجيات الدولة المستقبلية في الأمن الغذائي، وترسّخ ثقافة المشاركة والتعاون المجتمعي على المدى الطويل.
وفي الواقع، فإن مبادرة «نعمة» تبرز بوصفها منصة متكاملة لتعزيز القيم الثقافية والاجتماعية في المجتمع، من خلال ترسيخ مفاهيم الإدارة الرشيدة والمبتكرة للغذاء، وتشجيع العطاء والمشاركة المجتمعية الفاعلة، عبر حملات توعوية وممارسات مستدامة تربط بين المسؤولية البيئية والاجتماعية، ما يعكس تأثيراً عميقاً على وعي المجتمع وسلوكياته تجاه الموارد الغذائية.تمثّل مبادرة «نعمة» نموذجاً رائداً في إدارة فائض الغذاء، حيث تجمع بين العمل المجتمعي الفعّال، والشراكات الاستراتيجية. ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تمكّنت الإمارات من تعزيز الأمن الغذائي، وخفض الهدر، وترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية، ما يجعل «نعمة» مثالاً عالمياً يحتذى به في الاستدامة والتضامن المجتمعي، ويقدّم نموذجاً يُلهم صانعي السياسات والمؤسسات الدولية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


