خلال حملته الانتخابية لعام 2024، تبنى دونالد ترامب شعاراً أثيراً على قلبه: «احفر يا عزيزي احفر»، شعار كان يعكس رغبته القوية في تبني سياسة تقوم على الاستخراج المكثّف للنفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة. ولكن شعاره اليوم تبدّل. ترامب الذي انتُخب على أساس وعد بعدم الزج بالولايات المتحدة في عمليات عسكرية خارجية مكلّفة، ينخرط الآن في تحركات مناقضة الوعد انطلاقاً من اعتقاد بأنه من خلال القوة العسكرية سيستطيع الحصول على ما يريد.
والغطرسة هي التي دفعت دونالد ترامب إلى الوقوع في خطأ الاعتقاد بأنه يستطيع حلّ كل شيء من خلال القوة، لأنه يمتلك أداة عسكرية هائلة لا تستطيع إيران مواجهتها بالطبع. والحال أن إيران تمتلك قدرة كبيرة على الإزعاج وإحداث أذى. فصحيح أن الولايات المتحدة تستطيع تدمير الجهاز العسكري الإيراني، إلا أنه من الصعب غزو إيران، ولا الاستيلاء على البلاد دون إرسال قوات برية، وهو أمر محظور تماماً على الأميركيين في الوقت الحالي.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن فشل الولايات المتحدة واضح. ومن جانبه، يوجد النظام الإيراني في موقف حرج وفي غاية الصعوبة نظراً لأنه يخوض معركة من أجل البقاء. وإذا كان مصيره هو خسارة الحرب ضد القوات الأميركية والإسرائيلية، فإنه يستطيع كسب حرب السيطرة على البلاد لأن المعارضة غير مسلحة، ولا توجد أي جماعة مسلحة قادرة على الإطاحة بالنظام.
ولهذا، فقد يبدو من الصعب تصديق أن دونالد ترامب لم يتحسب لاحتمال إغلاق مضيق هرمز، الذي يوصف في جميع كتب الجغرافيا السياسية بأنه «شريان الحياة» بالنسبة للغرب، والنقطة الأكثر حساسية التي يمر عبرها حوالي 20 في المئة من النفط العالمي، بالإضافة إلى حصة كبيرة من الغاز أيضاً، ولا سيما أن إغلاقه بات اليوم أسهل بكثير باستخدام الطائرات المسيّرة، أو الألغام البحرية، أو حتى أجهزة بدائية للغاية.
ولكن، لماذا شنّ حرب جديدة على إيران في حين أن دونالد ترامب أكد في يونيو 2025 أن القدرات العسكرية الإيرانية قد دُمرت بالكامل تقريباً؟
الواقع أنه منذ بداية اندلاع الحرب، كشف ماركو روبيو الجواب عن هذا السؤال بقوله إن الولايات المتحدة انضمت إلى إسرائيل من أجل مواكبتها لأنها كنت تعلم أن إسرائيل تريد الدخول في الحرب وأن إيران سترد حتماً. ورغم أن دونالد ترامب نفى ذلك، فإن الخبر انتشر وأثار ضجة في معسكر «لنجعل أميركا عظيمة من جديد».
وإذا كان البعض قد واصل دعم الرئيس الأميركي، على غرار السيناتور ليندسي غراهام الذي قال إنه إذا تخلّت الولايات المتحدة عن إسرائيل، فإن الله سيتخلى عن الولايات المتحدة، فإن آخرين يحتجون عبر القول إن شعار الحركة هو «أميركا أولاً»، وليس «إسرائيل أولاً». وقد شهدنا في هذا الإطار كيف تم طرد جندي أميركي متقاعد بالقوة من جلسة استماع في الكونجرس لأنه احتج على سير الولايات المتحدة وراء إسرائيل. وهذا هو السبب الذي ساقه أيضاً جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، عندما أعلن استقالته.
بيد أنه إذا كانت واشنطن وتل أبيب ترغبان معاً في الإطاحة بالنظام الإيراني، فإنهما ليستا مستعدتين لدفع الثمن نفسه. ذلك أن إسرائيل يمكنها أن تتكيف وتتعايش مع إيران مدمرة بالكامل وتتعايش مع اضطراب إقليمي. غير أن هذا لا يصبّ في مصلحة دونالد ترامب شخصياً ولا في مصلحة الولايات المتحدة كقوة عظمى.
والواقع أن إسرائيل لا تكترث لأزمة اقتصادية عالمية قد تتجاوز آثارها الخليج لتمتد إلى أوروبا وآسيا وأميركا. ذلك أن بنيامين نتنياهو يرى أن الحرب تصبّ في صالحه وأنه نجح في توحيد الرأي العام الإسرائيلي وضمان دعمه. هذا في حين لا يستطيع دونالد ترامب تحمل مسؤولية أزمة اقتصادية عالمية تؤثّر بشدة على الولايات المتحدة والمواطنين الأميركيين.
وخلاصة القول أن أهداف الحرب الإسرائيلية والأميركية قد تتقاطع وتتلاقى في حالة تحقيق انتصارات سريعة، غير أن هذه الأهداف تصبح مختلفة تماماً في حالة حرب مطوّلة.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.


