أصبح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هدفين مفضلين لضغوط دونالد ترامب، في ظل محاولات الرئيس الأميركي لإخراج بلاده من حرب مع إيران أدت إلى قطع طريق نفطي حيوي، ما تسبب في استنزاف إمدادات الطاقة العالمية وزعزعة استقرار الأسواق المالية. ومع ذلك، ورغم استفزازاته المتكررة لرفضهم (ورفض أوروبا) الواعي الانضمام إلى صراعه ، يُعدّ الزعيمان الفرنسي والبريطاني شخصيتين محوريتين يجب متابعتهما، في ظل سعي حلفاء أميركا لإيجاد مخرج من الفوضى الجيوسياسية.

لم يكن للقارة العجوز أي علاقة بالحرب الأميركية الإسرائيلية التي اختارتها الولايات المتحدة، ومع ذلك، فإن تداعياتها تُهدد سلامة مواطنيها وأمنهم وازدهارهم، في ظل وصول أسعار الديزل إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات وتزايد مخاطر الإرهاب. وقد تُثمر جهودهم بالفعل. ينصبّ تركيز التحالف الأنجلو- فرنسي على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو ربع النفط المنقول بحراً، ليس بالقوة، بل عبر التحالفات والجهود الدبلوماسية.

وقد التقى ماكرون هذا الأسبوع برئيسة الوزراء اليابانية «ساناي تاكايتشي»، التي تشاركه الرؤية نفسها، وهي حريصة بدورها على إبرام وقف لإطلاق النار وخفض التصعيد في منطقة تستورد منها اليابان معظم نفطها الخام. وقد رفض الرئيس الفرنسي الدعوات لإرسال زوارق حربية، واصفاً إياها بأنها «غير واقعية» - فحتى الولايات المتحدة لم تجرِ بعدُ هجوماً على مضيق هرمز - إلا أن طوكيو وباريس منفتحتان على توسيع دور البحرية بعد وقف إطلاق النار.

وفي غضون ذلك، استضافت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، يوم الخميس الماضي، اجتماعاً عبر الاتصال الهاتفي مع نظرائها من نحو أربعين دولة (باستثناء الولايات المتحدة وإيران) لإعادة فتح مضيق هرمز. وكان هدفها توسيع نطاق المساعِي لتشمل الدول التي لديها قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وتشكيل مجموعة قادرة على ممارسة الضغط من خلال العقوبات الاقتصادية، وعدم اللجوء إلى الخيارات العسكرية إلا كملاذ أخير. وتقول «كريستينا كاوش»، من صندوق مارشال الألماني: «إعادة فتح مضيق هرمز أصبحت الآن محور تركيز أوروبا على المدى القصير. لا توجد رغبة في القيام بذلك عسكرياً دون الولايات المتحدة، ما يعني تقليل دوافع إيران للاستمرار في عرقلة فتحه». وتتعرض اقتصادات أوروبا للخطر كلما طال أمد إغلاق المضيق، ما قد يؤدي إلى انخفاض النمو الألماني إلى النصف هذا العام.

وفي الوقت نفسه، يتعرض حلفاء القارة في الخليج لاعتداءات صاروخية إيرانية، ويتزايد خطر المؤامرات الإرهابية الداخلية، حيث وجهت السلطات الفرنسية اتهامات لأربعة أشخاص وسجنتهم على خلفية محاولة تفجير فاشلة قرب مكتب «بنك أوف أميركا» في باريس، والتي اعتُبرت من ضمن تداعيات الحرب. وبينما يستحوذ القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية على معظم وقت البث، فإن أجزاءً أخرى من إدارته لا تغلق الباب أمام التعاون عبر الأطلسي.

وكان من المثير للدهشة هذا الأسبوع رؤية المسؤول الفرنسي الأصل في إدارة ترامب، جاكوب هيلبرج، يزور بروكسل ويصرح، بين الانتقادات المعتادة، بأن أميركا «تريد أوروبا قوية» وأن القارة «تمتلك كل مقومات النجاح». السؤال الآن هو ما الذي يمكن أن تحققه مجموعة الدول المحتملة التي شاركت في الاجتماع الذي عقدته لندن عبر الهاتف - والتي تضم اليابان وأستراليا وكندا وبعض دول الخليج إلى جانب الأوروبيين - حتى مع هذا العدد الكبير.

وإذا لم تقع في فخ البيانات والاجتماعات الشكلية، فقد تمثل هذه فرصة لإعادة إشراك الحلفاء الغربيين الأكثر عقلانية في منطقة فقدوا فيها نفوذهم. وسيكون معيار النجاح الحقيقي هو إيجاد مخرج لترامب لا يؤدي إلى مزيد من التصعيد. يبقى السؤال الأهم، بالطبع، هو الثمن الذي تأمل إيران الحصول عليه مقابل الموافقة على اتفاقية مستدامة بشأن مضيق هرمز، كما أوضح أنطونيو باروسو من بلومبيرغ إيكونوميكس. قد تطالب طهران بتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ويبدو إصرارها على عدم شن إسرائيل والولايات المتحدة هجوماً آخر مطلباً مستحيلاً.

وتقول إيران إنها بصدد صياغة بروتوكول مع عُمان لمراقبة حركة الملاحة عبر المضيق. وقد تلعب الصين، التي تستمد جزءاً كبيراً من إمداداتها من الطاقة عبر الخليج، دوراً محورياً بتقديم حوافز لإيران لخفض التصعيد. إذ أن بكين تستفيد من الضرر الذي يلحقه ترامب بعلاقات الولايات المتحدة الأمنية، وقد تتاح لها فرصة لملء الفراغ بمساعدة الأوروبيين ودول الخليج.

لكن هل ستكون مستعدة لتقديم ضمانات أمنية لإيران وتعريض نفسها لمواجهة محتملة مع الولايات المتحدة لاحقاً؟ بغض النظر عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي، فإن كل الخيارات جديرة بالدراسة طالما لا يصل الأمر إلى تصعيد أميركي أو جرّ دول أخرى إلى الصراع. بل قد يكون هناك جانب إيجابي للندن وبروكسل، مع تقارب المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مجدداً بفعل تصرفات البيت الأبيض.

*كاتب متخصص في الشؤون الأوروبية .

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»