في الأزمات العالمية، لا تكون البيانات توصيفاً للحدث، بل أداة للسيطرة على معناه قبل أن يُعاد تعريفه؛ إذ يدور الصراع على تفسير الوقائع لا على وقوعها. دولة تمتلك وضوحاً في استخدام القوة، وثقة راسخة في القرار، وواقعية دقيقة في تقدير التوازنات. دولة واضحة القوة، واثقة القرار، دقيقة التقدير، لا تصف الحدث، بل تعيد هندسة معناه وتفرض معاييره. ومن هذا المنطلق، يُقرأ البيان الإماراتي عقب إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لا كوقف نار، بل كاختبار لبنية النظام الإقليمي، تُقاس فيه التهدئة بقدرتها على تقييد التهديد، أو إعادة إنتاجه بكلفة أقل.
دولة الإمارات لم تتعامل مع إعلان الهدنة كنهاية للأزمة، بل حدّدت إطاراً واقعياً ودقيقاً لاختبار فاعليتها ومصداقية الالتزام بها. طلب الاستيضاحات لم يكن إجراءً بروتوكولياً، بل أداة لفرض تعريف ملزم للهدنة: وقف كامل للأعمال العدائية، وفتح غير مشروط لمضيق هرمز، تثبيتاً لقاعدة قانونية مفادها أن الممرات الدولية لا تُدار بالإرادة السياسية، بل تُحكم بقواعد لا تقبل التعطيل.
ومن هنا، ينتقل البيان من اللغة إلى الوقائع. نحو 2819 صاروخاً ومسيّرة خلال أربعين يوماً لا يُقرأ كإحصاء، بل كتشخيص لبنية تهديد متكاملة تُجسّد اعتداءَ إرهابياً مكتمل الأركان. وحين يصل هذا الحجم من الاستهداف إلى البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمواقع المدنية، فإننا لا نكون أمام تصعيد عابر، بل أمام نمط عدواني إرهابي يعيد إنتاج نفسه.
لهذا، لم يُطرح مبدأ المساءلة والتعويض كمرحلة لاحقة، بل كجزء من تعريف الصراع وشروط حله. فالتجارب الدولية تؤكد أن ما لا يُحوَّل إلى التزام قانوني قابل للمحاسبة وجبر الضرر يُعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً. من ترتيبات ما بعد حرب الخليج إلى حروب البلقان، لم يكن الفارق في وقف إطلاق النار، بل في فرض كلفة قانونية مُلزمة على الاعتداء العسكري وتعويض آثاره.
البيان لا يكتفي بتوصيف الضرر، بل يعيد تعريف التهديد بوصفه منظومة مترابطة من اعتداءات إرهابية: برنامج نووي، قدرات صاروخية ومسيّرة، أذرع ووكلاء، وتهديد مباشر للملاحة في مضيق هرمز. هذه شبكة إنتاج خطر، وأي تجزئة لها تعيد توزيع مصادره وتمنحه فرصاً جديدة للظهور.
المقاربات الجزئية لا تُنهي الصراع، بل تؤجله. الاتفاق النووي عام 2015 قيّد جانباً وترك جوانب أخرى تعمل، فاستمر إنتاج التهديد بأدوات مختلفة. النتيجة لم تكن استقراراً، بل تأجيلاً منظماً للأزمة.
في البعد القانوني، يُستخدم القانون كأداة إلزام لا كمرجعية خطابية. الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026) تثبيت لمرجعية تنفيذية قائمة: الاعتداء مُدان ووقفه واجب، وأي تهدئة لا تستند إلى هذا الإطار تبقى خارج منطق الإلزام. هنا يتحول القانون من نص إلى شرط.
وتأكيد الإمارات أنها لم تكن طرفاً في الحرب لا يحمل طابعاً دفاعياً، بل يؤسس لشرعية مركّبة: عدم التورط، والتعرض للتهديد، والمطالبة بضبط نتائجه. هذا الموقع يمنحها وزناً مختلفاً في تعريف الحدث، باعتبارها طرفاً يتحرك من موقع الشرعية لا من موقع الاشتباك، ويُعيد ضبطه وفق قواعد القانون لا منطق القوة.
ولا يقل أهمية إدراج مضيق هرمز ضمن معادلة التهديد، إذ يعيد إدخال الجغرافيا في قلب الصراع. فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة حق تعطيل المرور العابر في المضايق، ما يجعل اشتراط الفتح الكامل وغير المشروط استعادة لقاعدة قانونية قائمة. وبهذا المعنى، لا تُقرأ الهدنة كحدث عسكري، بل كعملية إعادة ضبط للنظام الإقليمي، تربط بين تعريف التهديد، وتحديد أدواته، وتثبيت الإطار القانوني لمعالجته.
الهدنة هي أخطر لحظة في الصراع، لأنها تعيد توزيع الزمن. والزمن هنا مورد قوة يُستخدم لإعادة بناء القدرة تحت غطاء التهدئة، ما يجعل الإصرار على الشمولية والمساءلة والتنفيذ وحرية الملاحة إغلاقاً لنافذة إعادة التموضع، ومنعاً لتحويل الهدنة إلى مساحة لإعادة إنتاج التهديد.
الاستقرار لا يُبنى بوقف النار، بل بإغلاق مسارات عودته. وأي تهدئة لا تُترجم إلى إطار ملزم يعالج بنية التهديد كاملة، لن تكون سوى إعادة تنظيم للصراع بصيغة أكثر هدوءاً… وأكثر خطورة.
*كاتب وباحث إماراتي