لعقود من الزمن، ناضل دعاةُ الإصلاح المُحبَطون داخل «اللجنة الوطنية الديمقراطية» من أجل إحداث تغييرات في عمليات الحزب «الديمقراطي»، ولا سيما زيادة الشفافية المالية، والمساءلة، والديمقراطية الداخلية. ويُمثّل الاجتماع المنعقد مؤخراً، في نيو أورلينز، خطوة واعدة في الاتجاه الصحيح.في العام الماضي، تم انتخاب كين مارتن، رئيس «اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي»، جزئياً لأنه وعد بتنفيذ هذا النوع من الإصلاحات، وكان بعضٌ من هذا العمل واضحاً في نيو أورلينز.
هناك شفافية أكبر في الميزانية. زادت تخصيصات اللجنة للجان الولايات بشكل كبير، مما دفع بعض المستشارين إلى الشكوى من أن حصتهم تقلّصت. وبدلاً من أن يعيّن الرئيس جميع الأعضاء العامين في اللجنة ويختار شخصياً أعضاء اللجان الدائمة التي تتخذ القرارات، أصبح الأعضاء الذين تنتخبهم الولايات أو مجالس الحزب أو اللجان المخوّلة، لهم الحق في التصويت على بعض المناصب العامة.
وعلى الرغم من إمكانية القيام بالمزيد، فإن هذه الخطوات الأولية مهمة. ومن أهم التطورات التي تتعلق بوقف تمويل الشركات والأموال الخفية (Dark Money) يأتي إصرار مارتن على المُضي قُدماً في الإصلاحات والنقاش حول هذه القضية خلال الجلسة العامة للجنة. وفي اجتماع أعضاء الحزب في أغسطس 2025، تمكّن مارتن من تمرير قرار يدعو إلى حظر تمويل الشركات والأموال الخفية في الانتخابات التمهيدية الرئاسية الديمقراطية. و«الأموال الخفية» هي الإنفاق الانتخابي الذي لا يخضع للحدود أو متطلبات الإبلاغ التي يفرضها القانون الفيدرالي. ولا يشمل ذلك مساهمات الأفراد أو لجان العمل السياسي المسجّلة، والتي لها حدود مرسومة ويجب الإبلاغ عنها للجنة الانتخابات الفيدرالية ونشرها علناً على فترات منتظمة.
كما لا يشمل إجراءات مجموعات الأعضاء التي قد تؤيد مرشحين وتنفق الأموال بالتشاور مع أعضائها. فهذه أيضاً منظمة بموجب القانون ويجب الإبلاغ عنها. وعلى النقيض من ذلك، تسمح الأموال الخفية غير المنظمة إلى حدِّ كبير للأثرياء بإنشاء مجموعات بأسماء غير وصفية لإنفاق ملايين الدولارات لتعزيز أو إسقاط مرشحين أو قضايا مفضلة، دون الكشف علناً عن أنشطتها.
وقد نما إنفاق الأموال الخفية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، متجاوزاً في بعض السباقات التنافسية بعشرة أضعاف المبالغَ التي ينفقها المرشحون أو لجان الحزب. وفي عامي 2023 و2024، فشلت محاولات تمرير قرار يحظر الأموال الخفية في جميع الانتخابات التمهيدية الخاصة بالحزب الديمقراطي، لذا كان دعاة الإصلاح سعداء عندما أخذ مارتن زمام المبادرة. وقد ركّز مارتن جهدَه على الانتخابات التمهيدية في السباق الرئاسي، حيث يتمتع الحزب بأكبر قدر من السيطرة، في مواجهة «الجمهوريين». وبعد تمرير قراره، أنشأ مارتن فريق عمل للإصلاح من أجل تطوير خطة تنفيذ حظر الأموال الخفية في الانتخابات التمهيدية التي سيجريها الحزب لاختيار مرشحه الرئاسي لعام 2028.
وفي الاجتماع الأخير، قدّم الأعضاء قرارين إضافيين منفصلين بشأن الأموال الخفية إلى لجنة القرارات في الحزب. دعا أحدهما إلى حظر تلقِّي الأموال الخفية من الجماعات الداعمة لمصالح الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة. وأشار الآخر إلى الدور السلبي الذي لعبه مؤيدو إسرائيل، أفراداً وجماعات، والذين استهدفوا المرشحين التقدميين، في هزيمة الحزب. وتم تعديل القرار الأول لحذف ذكر الجماعات المحددة التي أشيرَ إليها. بينما هُزم القرار الثاني وأُحيل إلى مجموعة العمل المعنية بالشرق الأوسط التابعة للحزب. في الاجتماع العام، عندما نُظر في التقرير النهائي للجنة القرارات، قُدم اقتراح من القاعة لإعادة النظر في الاقتراحين الأصليين اللذين ذكرا مصادر الأموال الخفية. ووافق كل من الرئيس مارتن ورئيس لجنة القرارات رون هاريس على مناقشة ذلك، ثم أُلقيت خُطبٌ عديدة، مؤيدة ومعارضة. وعلى الرغم من هزيمتهما في النهاية، إلا أنها كان خطة جديرة بالملاحظة. على مدى عقود، نادراً ما تمّت مناقشة قضايا مثيرة للجدل ثم التصويت عليها من قبل العضوية الكاملة. قد يصف المرء كونك عضواً في اللجنة الوطنية الديمقراطية بأنه أشبه بالذهاب إلى الكنيسة، حيث يتعلم المصلون الوقوف، والجلوس، والتصفيق، والمغادرة، وعدم طرح أسئلة صعبة.
ومع ذلك، فإنه في ذلك الاجتماع، ناقش أعضاء اللجنة موضوعاً كان من المحرمات، أي دور الأثرياء المؤيدين لإسرائيل (الذين هم أحياناً من الجمهوريين) في إنفاق ملايين الدولارات للتأثير على انتخاباتنا التمهيدية. وبينما خسر القرار، تم تحقيق نصر ليس بالقليل. عُقد نقاش، وأثيرت القضية، وخرج الأعضاء وهم يشعرون بالتمكين. القرار الذي تم تمريره، وسينفّذه الآن فريق عمل الإصلاح، سيحظر جميع الأموال الخفية من جميع المصادر، بما في ذلك اللجنة الأميركية للشؤون العامة الإسرائيلية (AIPAC).يُمثّل الاجتماع الأخير نقطة تحوّل في تعزيز الديمقراطية داخل الحزب «الديمقراطي». كانت خطوة مهمة على طريق الإصلاح الحقيقي، وفي النهاية، نحو تحقيق النصر على الأموال الخفية.
*رئيس المعهد العربي الأميركي - واشنطن


