ما بين القيود الفيدرالية على صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحرب على إيران واستمرارها إلى حين تحقيق النصر، وقبول إيران بشروط الإدارة الأميركية، ستظل بعض الحقائق تعلن عن نفسها.
أولها: أن القيد الدستوري الخاص بـ 60 يوماً لن يقف عقبة أمام الرئيس ترامب لاستكمال مهامه في إيران إلى الدرجات القصوى، ما يؤكد أننا أمام مسار واقعي بصرف النظر عن محاولات «الديمقراطيين» من داخل الكونجرس عرقلة ذلك التحرك الأميركي الذي بدأ بالعملية، وتدرج مراحلها إلى اليوم، الأمر الذي سيفرض على الحزب «الجمهوري» - بصرف النظر عن بعض التحفظات التي تبناها بعض النواب - الاستمرار في دعم الرئيس حفاظاً على المصالح العليا الأميركية وتأمين القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، ما يتطلب الاستمرار في المسار للنهاية.
ومن ثم فإن ما يدور في مجلس الشيوخ سيظل في إطاره النظري، خاصة أن المحاولات ستتتالى، وبصرف النظر عن انتهاء مدة التفويض الفيدرالي بالفعل مع حلول الأول من مايو، ما قد يحسم لاحقاً، وفي إطار من استمرار التجاذبات الرئيسة المرتبطة بخيارات سياسية وقانونية من داخل الكونجرس أو خارجه طالما الأمة الأميركية في حالة من الحرب والمواجهة، التي لن تدفع الإدارة الأميركية للمراوغة أو التوقف قبل إنجاز الأهداف الرئيسة.
ثانيها: لن توقف المواجهات الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران وارتباطها بحالة الهدنة من أن تتحرك الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها، خاصة أن الاستعدادات العسكرية لن تتوقف، وأن العمل العسكري، أياً كان شكله، مطروح بقوة.
وعلى الرغم من ذلك، ثمة انفتاح على الإطار الزمني للتواصل مع إيران، على اعتبار أن الهدف منح الوسطاء فرصة التعامل مع رسائل إيران السياسية والدبلوماسية من دون مراوغات، وإلا فإن الرئيس الأميركي سيتجه، وربما بصورة مفاجئة لاستئناف الحرب على إيران وحسم الأمر بهدف تركيع إيران وإنهاء الخطر القادم، وهو ما لا ينفيه الرئيس ترامب، بل ويؤكد عليه، خاصة أن العمل العسكري بات جاهزاً في ظل ما يجري ميدانياً، ويتجاوز بالفعل استمرار الحصار على مضيق هرمز.ثالثها: أي توجه سيتبعه الرئيس ترامب يستوجب الانتقال من الجدال السياسي والقانوني إلى مساحات أخرى آمنة من تأمين المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، بل ومواجهة أي مخاطر يمكن أن تتعرض لها من خلال وجودها العسكري، ما يتطلب بالفعل منح الرئيس الأميركي مزيداً من الصلاحيات الفيدرالية، وليس تقييدها والتمسك بما هو مطروح من خيارات، قد تكون مكلفة لاحقة، وتفترض أن الأمة الأميركية في خطر ينبغي التعامل معه، وليس وقف المواجهات وإعطاء ايران أية متطلبات أو التفاوض من منطلق القيد الدستوري، ما يؤكد أن المهلة الزمنية ليس لها معنى حقيقي في الوقت الراهن، خاصة أن خطوات إدارة ترامب تأتي في اطار الدفاع الجماعي عن النفس لحلفاء الولايات المتحدة، وعلى رأسهم إسرائيل، ما يدفع ترامب للتحرك وفق قانون سلطات الحرب الذي يحدد مهلة 60 يوماً لانسحاب القوات الأميركية من الأعمال القتالية في حال عدم حصول الرئيس على تفويض من الكونجرس لاستخدام القوة العسكرية، وبموجب القانون، وبعد انقضاء مهلة الـ 60 يوماً، تصبح خيارات الرئيس الأميركي مقيدة، وسيكون أمام ترامب السعي للحصول على تفويض جديد من الكونجرس لمواصلة الحرب، أو بدء تقليص الانخراط الأميركي، أو منح نفسه تمديداً، وفق استراتيجية الأمر الواقع، ويتيح القانون تمديداً لمرة واحدة لمدة 30 يوماً إذا أقدم الرئيس على تقديم إفادة عن تسهيل انسحاب القوات الأميركية، لكن لا يمنح سلطة الاستمرار في الحرب، وإنْ كان في النهاية، سيرتبط الأمر بحصوله من المشرعين على إذن مباشر بمواصلة الحرب، والاستمرار في استخدام القوة العسكرية، وهو ما حدث بالفعل في الحرب على العراق عام 2003، أي أن الأمر مرتبط بخيارات مرنة والرسالة في مضمونها باستمرار الحرب على إيران.
الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وتأمين وجودها العسكري في العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط، يتطلب بالفعل منح الرئيس ترامب مزيداً من الصلاحيات، وليس تقييداً، وهو ما سيجري في الفترة المقبلة للتعامل مع إيران، وأي قوة مناوئة أخرى، وفقاً لوثيقة الأمن القومي التي صدرت في نهاية عام 2025.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.


