لم تعد أزمة العمل العربي المشترك مسألة نظرية أو خلافاً بروتوكولياً بين العواصم، بل صارت سؤالاً وجودياً يتصل بالأمن والسيادة والطاقة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي. فالمنطقة العربية، وخصوصاً الخليج العربي، تواجه اليوم تهديدات مباشرة لا تنتظر بيانات التنديد ولا اجتماعات اللحظة الأخيرة. وتبدو مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وكأنها تتحرك خارج إيقاع الحدث، تصدر مواقف متأخرة، وتتمسك بآليات لم تعد قادرة على إنتاج ردع أو حماية.
والعودة للتاريخ ليست استدعاءً عاطفياً للماضي، بل محاولة لفهم درس متكرر: السيادة تُحمى فقط بوحدة الموقف والقدرة على الدفاع عن الذات. فمنذ معركة ذي قار، استقر في الذاكرة العربية معنى واضح: أن مواجهة المشاريع الإمبراطورية تحتاج إلى وعي جماعي وإرادة سياسية. غير أن هذا المعنى لم يتحول، في عصرنا، إلى بنية مؤسسية قادرة على حماية العرب من الفراغ الاستراتيجي الذي يتمدد فيه الآخرون.
تأسست جامعة الدول العربية عام 1945، ثم معاهدة الدفاع العربي المشترك عام 1950، لتؤكد أن الاعتداء على أي دولة عربية هو اعتداء على الجميع. لكن النصوص شيء، والواقع شيء آخر. فبقيت هذه الالتزامات في معظم الأزمات بلا تفعيل حقيقي، وتحولت الجامعة إلى إطار شديد البطء، تحكمه قاعدة الإجماع وتوازنات الدول الأعضاء، أكثر مما تحكمه مصلحة عربية عليا. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين المواثيق والميدان، حتى أصبحت «بلاغة التنديد» بديلاً عن الفعل السياسي والأمني.
ويتجلى خلل المؤسسات العربية والإسلامية في اختزال التهديد الإيراني غالباً بوصفه شأناً خليجياً خاصاً، رغم أن نفوذ طهران تمدد منذ عام 2003، واتسع بعد عام 2011 في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وامتدت آثاره إلى الخليج والبحر الأحمر وباب المندب والسودان والقرن الأفريقي، عبر وكلاء وميليشيات وصواريخ وطائرات مسيّرة وتهديد الطاقة والممرات البحرية.
وتزداد المفارقة حين تتحرك هذه المؤسسات تجاه الخطر الإسرائيلي باعتباره قضية جامعة، بينما يتراجع اهتمامها بالخطر الإيراني، مع أن أمن الخليج جزء أصيل من الأمن العربي. وتستوجب هذه المفارقة دراسة أعمق للمشروعين الإسرائيلي والإيراني بوصفهما خطرين متوازيين على الاستقرار العربي والإقليمي، مع ملاحظة أن التهديد الإيراني يبدو أكثر واقعية في تطبيقه الميداني، حيث إن أطروحات «إسرائيل الكبرى» غالباً ما تظل حبيسة الشعارات الأيديولوجية والانتخابية لليمين المتشدد، بينما تحقق التمدد الإيراني عملياً داخل أكثر من ساحة عربية.لقد كشفت الأزمات الأخيرة ضعف الاستجابة العربية، بل وحتى الحاجة إلى مراجعة خليجية داخلية. فمجلس التعاون الخليجي، رغم أنه أنجح نسبياً من غيره، ما زال مطالباً بتعريف أوضح للتهديد، وبآليات ردع مشتركة، وبحد أدنى غير قابل للمساومة في الأمن الجماعي. أما عربياً، فقد ظهر تباين واسع في المواقف بين الانكفاء، والحذر، والانقسام، ومحاولة التوازن. وهذا يكشف أن المشكلة الأعمق هي غياب تعريف عربي مشترك للخطر، وللمصلحة، وللحليف، والخصم.
والخروج من هذا المأزق لا يكون بإلغاء المؤسسات، بل بإصلاحها جذرياً. فيجب انتقال الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي من منطق البروتوكول إلى منطق الفاعلية: قرار بالأغلبية المؤهلة في الملفات المصيرية، منظومة إنذار مبكر، تنسيق دفاعي واستخباري، دفاع جوي وصاروخي مشترك، وآليات عقاب سياسي واقتصادي على من يهدد الأمن العربي. كما يجب فتح حوار جاد يقطع الطريق على توظيف المذهب في مشاريع التوسع، ويعيد الخلافات إلى سياقها السياسي لا الطائفي.
إن الفراغ في السياسة لا يبقى فارغاً، فكل مساحة لا يملؤها العرب بإرادة عربية سيملؤها غيرهم بمشاريعهم. لذلك لم يعد السؤال: هل تعاني منظومة العمل العربي من خلل؟ بل: هل يملك العرب الشجاعة لبناء منظومة لا تعجز في الاختبار القادم؟ فالأمم لا تُمحى حين تضعف مؤسسة، بل حين تفقد القدرة على إنتاج إرادة مشتركة. ودول الخليج، بحكم ثقلها وموقعها، تستطيع أن تقود هذه المراجعة، لا لحماية الخليج وحده، بل لإنقاذ ما تبقى من معنى العمل العربي المشترك.
*كاتب إماراتي


