ما يعيشه العالم اليوم ومنطقة الشرق الأوسط تحديداً هي لحظة، تُعدُّ واحدةً من اللحظات الكبرى نادرة التكرار، بحيث إننا على شفا حدٍّ فاصلٍ بين مرحلة تاريخية قديمة تطوى ومرحلة تاريخية جديدة تُبنى، بكل ما يعنيه ذلك مع إعادة بناء توازنات القوى وتشكيل تحالفاتٍ جديدةٍ تحلّ مكان التحالفات التي سقطت، وهكذا دواليك.
مواجهة الفكر الأيديولوجي المتشدد غير ممكنةٍ بلغة السياسة وتوازنات المصالح وموازين القوى لأنه ينطلق من تفكير مختلفٍ، تفكيرٍ ينطلق من الخرافة ويأرز إليها، والخرافة هي العدو الأمثل لأي تفكيرٍ إنسانيٍ علميٍ وعقلاني وواقعي، فهي تتعامل مع العلم والواقع والسياسة بمنطقٍ عاطفيٍ يحكمه الإيمان المقدس، لا منطقٍ عقلانيٍ يحكمه الدين والعقل وسنن الكون.
يمكن للجميع أن يتذكر «تنظيم القاعدة» الإرهابي عندما كان ينشر فكره وإجرامه في العالم أجمع، لقد كانوا يتحدثون عن البشر وتنوعهم ودياناتهم وثقافاتهم ودولهم وشعوبهم بمنطق ما كانوا يسمونه «الفسطاطين»، أي إنْ لم تكن معنا فأنت ضدنا، وقد تطوّر فكرهم وخطابهم مع «تنظيم داعش» ليصبح «نحن الحق» وغيرنا باطلٌ فبدأوا بقتل كل مَن ينتمي لفسطاطي «القاعدة» باعتبارهما جميعاً كافرين ومشركين ومرتدين عن الإسلام، لا فرق بين تنظيم «القاعدة» وأعتى جماعات الغرب تطرُّفاً.
«تنظيم القاعدة» و«تنظيم داعش» هما نتاج طبيعي لجماعات الإسلام السياسي خطاباً وأيديولوجيا، فكراً وتنظيماً، وجماعات الإسلام السياسي ذات شقين: سنيٌّ اشتهر على يد «جماعة الإخوان» وشيعيٌّ بدأ مع فكرة «ولاية الفقيه» والتبادل الفكري والفلسفي والثقافي والحركي بين هاتين الجماعتين باختلافاتهما واختلافٍ درجاتٍ كل منتمٍ لواحدٍ منهما أوضح من أن يدلل عليه وقد سبق لكاتب هذه السطور تناول ذلك بحثياً في هذه المساحة مراراً وتكراراً.
ما يجمع بين هذه الجماعات أكثر بكثيرٍ مما يفرّقها، ويكفي في هذا السياق استحضار ما يمكن تسميته بـ «عقيدة الانتظار» وهي عقيدةٌ موجودةٌ في كثيرٍ من الأديان والطوائف والمذاهب، وهو ما يسمّى لدى الشيعة «الإمام الغائب» ولدى السنة «المهدي المنتظر» ولدى المسيحيين «عودة المسيح» وهكذا في كثيرٍ من الأديان والثقافات، بمعنى أنه ليس شيئاً يختص به دينٌ دون دينٍ أو طائفةٌ دون أخرى.
هذا الانتظار قديمٌ ومنتشرٌ، ولكن تأثيراته الحديثة بعد تطويره أصبحت تقيم الدول وتسقطها، وتنشر الإرهاب والدمار في كل مكانٍ، ولم تَعُد مجرد عقيدةٍ فرعيةٍ يمكن مناقشتها والاختلاف حولها، وحين تتحدث بعض القيادات المعاصرة بإصرارٍ عن «انتظار» إمام غائب فقد جرى هذا من قبل مع «حركة جهيمان» التي احتلت الحرم المكي الشريف مطلع القرن الهجري الحالي، وبقيت تنتظر الجيش الذي يجيء من الشام فيخسف به، فلا جيش جاء ولا خسفٌ كان.
والانتظار الثاني الأكثر إلحاحاً وتأثيراً وواقعيةً هو انتظار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه استئناف الحرب التي قضت على أخضر إيران ويابسها والذي هو قرار، تسعى دول الخليج العربية لإيقافه وتأجيله، والسماح بمنح المفاوضات السياسية فرصةً أكبر، علّ وعسى أن يمكن تجنُّب ويلات استمرار الحرب على الشعب الإيراني، وعلى المنطقة والعالم بأسره.
سعت السعودية والإمارات وقطر جهدها من أجل التوصل إلى هذه النتيجة، ومنح المفاوضات فرصةً أخيرةً، لا بسبب ضعف هذه الدول، فالجميع يعرف أنها قادرةٌ عسكرياً على إحداث فرقٍ واضحٍ. ومثلما تفاجأ العالم بقدرات هذه الدول الاستثنائية في التصدي للصواريخ الباليستية وغير الباليستية وكذلك الطائرات المسيّرة، فإنها تحتفظ بنفس القوة التي ستفاجئ العالم، إذا ذهبت الأحداث باتجاهاتٍ كريهةٍ لا يرغب فيها أحدٌ.
أخيراً، وقى الله دول الخليج جميعاً من شرّ الحروب وشر الأعداء والخصوم، وأتمّ على شعوبها نِعَم الاستقرار والأمن والعدالة.
*كاتب سعودي


