في ديسمبر 2024 ألغت المحكمةُ الدستوريةُ الرومانيةُ الانتخابات التي فاز فيها مرشح اليمين الراديكالي بحجة التدخل الخارجي والتلاعب الإلكتروني بأصوات الناخبين، قبل أن تنظّم انتخابات جديدة في مايو 2025.
وقبل رومانيا، جرت حالات متشابهةٌ في بوليفيا ومالاوي وكينيا، وجرى التحذير من الخطر نفسه في عدد من الديمقراطيات العريقة مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا.
العديدُ من الباحثين السياسيين غدوا يشكّكون في نجاعة الآليات الانتخابية في حسم موضوع شرعية السلطة السياسية، بالنظر إلى المستجدات الراهنة التي غيّرت جذرياً الحقلَ السياسي، ومن أهمها التجزئة الاجتماعية القصوى التي قوّضت موازينَ التصنيف الاجتماعي الطبقي، وبروز شبكات التواصل الرقمي التي ألغت الوسائط التقليدية لتشكل الإرادةَ الحرةَ للمواطن في كثير من مناطق العالم.
صحيح أن الآلية الانتخابية نفسها طَرحت منذ بداية العصر الديمقراطي عدةَ إشكاليات جوهرية باعتبارها تقوم على تحويل الأغلبية العددية إلى تعبير عن الإرادة المشتركة للمجموعة الوطنية. بيد أن هذا الاختزال كان مقبولاً في سياق تشكُّل أقطاب أيديولوجية طبقية واسعة قادرة عن التعبير عن الجسم الاجتماعي المتنوع، كما أن الزمنية الانتخابية نفسها كانت مؤهلة لضبط التوازنات التي يقتضيها العمل السياسي، بتكريسها مبدأ التداول الحر على الحكم. ومع نهاية القرن العشرين، فرضت التحولاتُ الجديدةُ مراجعةَ العديد من الآليات الانتخابية نفسها، فاستحدثت قواعد جديدة، من بينها نظام التمثيل النسبي من حيث هو أكثر ملاءمة للتجزؤ السياسي المتصاعد، وآليات التمييز الإيجابي لصالح الأقليات والأنواع، وإنشاء مؤسسات مستقلة لضبط الانتخابات في الساحات التي تعرف مصاعب التحول الديمقراطي، كما هو الشأن في أفريقيا وأميركا اللاتينية.بيد أن الثورة الرقمية الحالية، بقدر ما ولّدت أدواتٍ جديدةً لكسر الاحتكار الإعلامي وتحرير القول العمومي ودفع الشفافية الانتخابية، كرّست تحدياتٍ جديدةً من بينها جرف دائرة النقاش العمومي إلى اعتبارات الهوية والاندفاع العاطفي، وإلغاء التمييز الضروري بين الحقيقة والخطأ، ومضاعفة آليات الرقابة والضبط والتلاعب بوعي الناس واختياراتهم.
في الدورة التاسعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف في السنة الماضية، قدّمت «أرين خان»، مقررة هيئة الأمم المتحدة لحرية الرأي والتعبير، تقريراً للمجلس اعتبرت فيه أن حريةَ التعبير تواجه اليوم مخاطرَ عديدةً في مختلف العالم، من بينها طبيعة الحقل السياسي الموبوء الذي تسيطر عليه الأنظمة الشعبوية الاستبدادية، بما ينجم عن ذلك من تَراجع للديمقراطية وحقوق الإنسان في عمق الغرب الليبرالي نفسه، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تفتقد للصدقية الإخبارية وتنتشر فيها الكراهية والدعاية الزائفة، وانهيار الوسائط الإعلامية التقليدية التي غدت عاجزةً عن أداء دورها التنويري وحماية المجتمع من الكذب والمعلومات المغلوطة.
في مثل هذه الأجواء، ما الذي يمكن للديمقراطية الانتخابية أن تقوم به من مقتضياتِ حمايةِ الضمير الحُر والتعبير المفتوح والتداول العمومي والاختيار الموضوعي دون وصاية خارجية؟
كان بعض علماء الاجتماع من نقّاد الليبرالية قد نبّهوا إلى أن الوسائط الإعلامية والأجهزة الأيديولوجية للدولة (وفق عبارة الفيلسوف لويس التوسير) قادرة على صناعة نمط من التواطؤ يُلغي عملياً الديناميكيةَ التعدديةَ الحرة. وذلك مثلا هو مضمون ما سمّاه غرامشي «صفقة الهيمنة» التي تضبط الديمقراطية التعددية في المجتمع الليبرالي ضمن مصالح الطبقات الاجتماعية المتحكمة، بما يَحول دون تغييرٍ مجتمعي حقيقي عن طريق الانتخاب والسباق العددي.
إلا أن هوامش التعبير الراديكالي والتمثيل السياسي وجدت منافذَ حيويةً في الإعلام والثقافة وفرضت نفسها بالتالي على الأجندة السياسية، قبل أن تتغير المعادلة في العصر الرقمي الجديد الذي انهارت فيه الوسائطُ الثلاث الكبرى للتعبير النقدي الحُر، وهي: الأيديولوجيات التعبوية التي انحسر زخمُها كلياً بعد نهاية الحرب الباردة، وصحافة الرأي والاستقصاء التي كانت في السابق تساهم في توجيه الوعي السياسي العام، والأحزاب السياسية التي كانت تجسِّد معادلةَ التنوع الفكري والاجتماعي. في العصر الرقمي الجديد نشأ ما أَطلق عليه البعضُ حالةَ «التقنية الفاشية»، وهو يعني تحالف المنصات الإلكترونية الكبرى والحركات الشعبوية الراديكالية المعادية لليبرالية، واستبدل العمل النقدي الإعلامي بالاستقطاب الشعوري العاطفي السريع، حيث المعيار هو «الحقيقة المخترعة البديلة» بدلاً من الحقيقة الواقعية الموضوعية، وأخذت الاعتبارات «الهووياتية» مكانةَ الحركية الاجتماعية التعددية.
ومن هنا كان لا بدّ من مراجعة آليات ومسالك النظام الديمقراطي لحماية مكاسب حرية الوعي والتعبير وشرعية الإرادة المشتركة. ومن البديهي اليوم أن المسطرة الانتخابية لم تَعُد قادرة على حماية هذه المكاسب الديمقراطية، بل هي في بعض جوانبها البارزة أداة ناجعة لوصول حركات شعبوية مناوئة لليبرالية وحقوق الإنسان إلى مواقع السلطة وصناعة القرار.
*أكاديمي موريتاني


