في الشرق الأوسط، لا تُولد الهدنات من الثقة، بل من الخوف المتبادل. ولهذا، فإن الاتفاق الذي تقترب واشنطن وطهران من توقيعه لتمديد وقف إطلاق النار ستين يوماً لا يبدو اتفاقاً حقيقياً للسلام، بقدر ما يبدو محاولة لشراء الوقت ومنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة قد تُشعل الخليج وتهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.
المنطقة اليوم تعيش لحظة معلَّقة. مضيق هرمز عاد إلى قلب الحسابات الدولية، وأسواق الطاقة تتحرك على وقع أي إشارة من الطرفين، بينما تدرك العاصمتان أن الحرب المفتوحة لم تَعُد خياراً مضمون النتائج. الخطاب العلني يتحدث عن «تقارب»، لكن لغة الاستعداد العسكري لم تغبْ عن أيٍّ من الطرفين خلف الكواليس.
الولايات المتحدة الأميركية تعرف أن أي مواجهة واسعة لن تكون عملية عسكرية محدودة، بل فوضى إقليمية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وتستنزف الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية. وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي قد يدفعها نحو استنزاف طويل، خاصة بعد أن كشفت ضربات فبراير الماضي عن ثغرات في منظومتها الدفاعية لم تكن متوقّعة، وأظهرت أن الردع الذي راكمته طهران عبر عقود ليس بالحصانة التي ظنّها كثيرون.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ستصمد الهدنة؟ بل: ماذا يريد كل طرف أن يفعل خلالها؟
واشنطن تريد تهدئة تمنع اشتعال المنطقة، وتحفظ أمن الممرات البحرية، دون الانجرار إلى حرب شاملة قبل استحقاقات سياسية داخلية. أما إيران، فتسعى إلى إعادة التموضع سياسياً واقتصادياً، وإعادة بناء ما تضرّر من قدراتها، مع الحفاظ على جوهر مشروعها الإقليمي، دون تنازلات تمسّ بنيته الأساسية.
ولهذا، قد تكون إيران الرابح الأكبر مؤقتاً، لأنها انتقلت من مربع الضربة إلى مربع التفاوض. وفي المقابل، ربحت الولايات المتحدة تجنّب حرب واسعة في توقيت دولي شديد التعقيد. لكنّ كلا الربْحَين مؤقتٌ، ومشروط بألا ينقلب أحد الطرفين على ما اتفق عليه في الستين يوماً القادمة. فالحسابات في مثل هذه الهدنات تتغير بسرعة، وما يبدو اليوم مكسباً قد ينقلب غداً إلى عبء.

أما دول الخليج، فتبدو اليوم الأكثر واقعية في قراءة المشهد. بعض العواصم الخليجية لم تَعُد تنظر إلى الملف الإيراني بمنطق «كسر الخصم»، بل بمنطق «إدارة الخطر». هناك إدراك متزايد بأن انهيار المنطقة بالكامل لن يصنع انتصاراً لأحد، وأن حماية الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة باتت أولوية تتقدم على حسابات الصراع التقليدية. هذا التحول في العقلية الخليجية ليس ضعفاً، بل نضجاً استراتيجياً.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي تشهدها المنطقة. فالدول لم تَعُد تبحث عن انتصار كامل، بقدر ما تبحث عن منع الانهيار الكامل. وهذه ربما أخطر مرحلة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، لأن الجميع بات يدير التوازنات بمنطق تجنب الكارثة، لا بمنطق حسم الصراع. والمنطق الأخير، حين يطول، قد يصنع كوارث أكبر من تلك التي يحاول تجنّبها.
أما إسرائيل، فقد تكون الخاسر النسبي من أي تفاهم لا يؤدي فعلياً إلى تقليص القدرات الإيرانية أو تحجيم أذرعها الإقليمية. فتل أبيب تدرك أن منح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها قد يعني عودة أكثر تنظيماً في المستقبل، حتى وإنْ هدأت الجبهات مؤقتاً. ولهذا فإن الاتفاق إن وُقّع سيُختبر أولاً من الجبهة الشمالية لإسرائيل، لا من واشنطن أو طهران.
والحقيقة الأهم أن أي اتفاق مرتقب لن يُنهي المشروع الإيراني ما لم يشمل البرنامج النووي، والصواريخ بعيدة المدى، وشبكات النفوذ الإقليمية. فإيران لم تبنِ نفوذها بالسلاح وحده، بل بمنظومة سياسية وأمنية تراكمت عبر عقود، ومن الصعب تفكيكها عبر هدنة مؤقتة مهما طالت.

ولهذا، فإن المنطقة لا تبدو اليوم أقرب إلى السلام  بقدر ما تبدو أقرب إلى إدارة مؤقتةٍ للفوضى، تُؤجل الانفجار ولا تُنهي أسبابه. ويبقى على المؤسسة العسكرية العربية أن تستثمر هذه الستين يوماً في الاستعداد، لا في الاطمئنان. 


*لواء ركن طيار متقاعد.