عندما أعلنت شركة «جوجل» مؤخراً تغييرات جذرية في محرك بحثها، ستطغى تغيرات على صفحة الروابط الزرقاء التي اعتدنا رؤيتها لأكثر من عقد عند بدء أي عملية بحث، انتاب المعلنين عبر الإنترنت حالة من الذعر الجماعي. وقد وصفت جوجل هذا التغيير بأنه الأكبر من نوعه منذ أكثر من 25 عاماً، وأن شريط البحث سيُعاد تصميمه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتعتبر جوجل مملوكة لشركة «ألفابت» القابضة التي تضم تحت مظلتها مجموعة من الأنشطة والشركات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وسوف يختلف شكل الروابط الدعائية التقليدية ليحل محلها «إعلانات الاكتشاف التفاعلية» التي ستُدمج داخل إجابات الذكاء الاصطناعي نفسها، وقد تتضمن وكيل للمحادثة حتى لا ينقر المستخدم على أي رابط للوصول إلى موقع إلكتروني. ولا يدرك مسؤولي جوجل أنفسهم إلى أين ستؤدي تلك التغييرات أو تأثيرها على قطاع الإعلانات الرقمية.
وسرعان ما واجهت الخطوة اعتراضاً من هيئة تنظيمية بريطانية، أمرت جوجل بالسماح لأصحاب المواقع الإلكترونية بمنع استخدام محتواهم في خصائص البحث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وقد يرى بعض الناشرين في ذلك إجراء دفاعياً ضرورياً، بينما قد يخشى آخرون فقدان فرصة الوصول إلى جمهور جديد. ويعود ذلك إلى أن هذه التكنولوجيا ما تزال غير مُختبرة على نطاق واسع، كما أن آثارها الفعلية لا تزال غير واضحة.
وعلى مدى سنوات، اعتمدت الشركات على مجموعة من الأساليب الأساسية لتعزيز فرص ظهورها في صدارة نتائج بحث جوجل، مثل نشر الكلمات المفتاحية بكثرة أو الحصول على ما يسمى الروابط الخلفية أو روابط إحالة من مواقع أخرى، وهي وسيلة لإثبات مصداقية الموقع أمام محرك البحث. وقد صُممت هذه الإشارات خصيصاً لاسترضاء نظام جوجل التقليدي لترتيب نتائج البحث أو خوارزمية «بيدج رانك» بهدف الوصول إلى الصفحة الأولى المرغوبة من نتائج البحث.
لكن التغييرات الجديدة الشاملة التي أجرتها عملاقة التكنولوجيا تعني أنه خلال العام المقبل تقريباً، سيقل احتمال رؤية مستخدمي الإنترنت لتلك الروابط الزرقاء. وبدلاً من ذلك، سيتفاعلون مع نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي» التابع لجوجل، أو مع برامج تُقدم توصيات بالمنتجات، بل وتُحفز عمليات الشراء.
وكانت مراجعات الذكاء الاصطناعي، أو الإجابات التي تصدرت نتائج البحث خلال العامين الماضيين، بمثابة لمحة أولية عن سيطرة الذكاء الاصطناعي الأوسع نطاقاً على البحث، وأثارت الكثير من التخبط لدى الشركات والمعلنين الراغبين في استهداف محركات البحث مثل «جيميناي» بدلاً من «بيدج رانك» فقط.
وأصبح الأسلوب الجديد لتحسين الظهور في نتائج البحث يُعرف باسم «تحسين الظهور للذكاء الاصطناعي التوليدي»، وهو نهج يهدف إلى زيادة فرص ظهور الشركات والمنتجات في إجابات الذكاء الاصطناعي. والمفارقة أنه أكثر ارتباطاً بالطبيعة البشرية من عصر الروابط الخلفية، أي الروابط التي تضعها مواقع أخرى للإشارة إلى موقع معين بهدف تعزيز مصداقيته. فلكي تلاحظك أنظمة الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تنتشر حولك المزيد من النقاشات والمحادثات على الإنترنت.
وعندما يسأل مستخدم الإنترنت «شات جي بي تي» أو «جوجل» عن أفضل أحذية التسلق من حيث القيمة مقابل السعر، سيبني نموذج الذكاء الاصطناعي إجابته على تحليل المحادثات حول المنتج على تلك المواقع، وما إذا كان الرأي العام إيجابياً أم سلبياً. وبينما يستهدف هذا النهج المستهلكين الفعليين، ستكون رؤيته الشاملة مفيدة، وأقل عرضة للتلاعب من نظام تقييم النجوم الذي اشتهرت به شركة أمازون.
ويقول دانيال هولم، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في شركة «دبليو بي بي»، إحدى أكبر شركات الإعلان والتسويق في العالم: «يميل البشر إلى الشراء بدافع العاطفة، لكن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيكونون أكثر عقلانية».
ويرى «هولم» أنه مع تحول روبوتات الدردشة إلى منصة إعلانية جديدة شبيهة بالتلفزيون أو منصة يوتيوب أو مواقع التواصل الاجتماعي، ستظهر قنوات جديدة مثل تطبيقات الرفيق الذكي، وهي تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمرافقة المستخدم وتقديم الاقتراحات له، وتطورها شركات خارج مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وستكون قادرة أيضاً على تقديم توصيات بالمنتجات. وقد نفت شركة «أنثروبيك»، المطورة لعدد من نماذج الذكاء الاصطناعي، أنها تعتزم إدخال الإعلانات إلى روبوت الدردشة الشهير «كلود»، فيما أكدت شركة «أوبن إيه آي» أن الإعلانات في «شات جي بي تي» لن تُدمج داخل الإجابات نفسها.
لكن ذلك لن يمنع أدوات الذكاء الاصطناعي الأصغر والشركات الخارجية من اتباع نهج توظيف المنتجات داخل التوصيات، أي دمج اقتراحات المنتجات ضمن الإجابات والمحادثات.
ومن الصعب التكهن بما يعنيه ذلك على نطاق أوسع لصناعة الإعلانات الرقمية. ورغم اعتياد الجمهور على التكيف مع التغييرات الخوارزمية التي أجرتها جوجل أو فيسبوك على مدى العقد الماضي، إلا أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي جعلت الأغلبية تشعر بتغير قواعد اللعبة. وتوقع البعض أن ينكمش السوق العالمي لإعلانات الإنترنت خلال السنوات القليلة المقبلة نتيجة لذلك.*كاتبة متخصصة في التكنولوجيا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن».


