تَحوَّل الذكاء الاصطناعي من صناعة وليدة إلى طفرة جامحة ومحرّك اقتصادي يُدرّ أرباحاً على شركات التكنولوجيا العملاقة، بينما تجد المجتمعات أن الذكاء الاصطناعي ينافسها في العمل ومتطلباته، ويؤثّر على الخدمات العامة مثل الكهرباء والماء. وهنا، يستوقفنا سؤالٌ حول مشاركة عوائد الذكاء الاصطناعي مع المواطنين، كما يتقاسمون أضراره.

لقد حقّقت الطفرات التقنية التاريخية أرباحاً استثنائية، وللمجتمع الحق في الاستفادة من المكاسب، لأن هذه المكاسب ليست نتاج ابتكار الشركات وحدها، بل ثمرة لإمكانات الدول والشعوب من البنية التحتية والاستثمارات الحكومية وأنظمة التعليم والبيانات، وهو ما خلق بيئة للشركات لتحقيق أرباح استثنائية. ويدور النقاش حول تقسيم عوائد الذكاء الاصطناعي في أكثر من دولة، أبرزها الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية كوريا الشقيقة، وتتعدّد البرامج المقترَحة لمشاركة المجتمع في العوائد وسط مخاوف من تعميق فجوة الثروة، مع حصول عدد محدود من الشركات على أرباح الذكاء الاصطناعي، فيما تطال المجتمعات أخطارُ تَقلُّص الوظائف التقليدية وأسواق العمل. ولكن، في مقابل فكرة العدالة الاقتصادية، يخُشى من تقويض الابتكار والاستثمار في الذكاء الاصطناعي نتيجة هذه السياسات.

لقد دفعت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى تكوين ثرواتٍ هائلة، وهو ما دفع كبار السياسيين، كالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وروّاد أعمال، مثل الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، إلى اقتراح إعادة توزيع الثروات، ولاسيّما مع تركز الثروة، إذ يمتلك أغنى 1% في الولايات المتحدة نحو ثلث الثروة، والذكاء الاصطناعي يوسّع بسرعة هذه الفجوة.

وتطرح جمهورية كوريا الشقيقة الاستفادة من الإيرادات الضريبية الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في تمويل الخدمات العامة، وتدور نقاشات في الولايات المتحدة بشأن مساهمة شركات الذكاء الاصطناعي، طوعاً، بأسهم في صندوق ثروة عام، أو فرض ضريبة لمرة واحدة بنسبة 50% على قيمة الشركات لمنح الأميركيين حصة ملكية مباشرة، في وقت تعتزم فيه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى طرح أسهمها للاكتتاب العام في 2026، في ظِلّ قيمتها السوقية المرتفعة، ويبدو أن هذا التوقيت مناسب لاتخاذ إجراءات في هذا الشأن.

إن إقامة شراكة بين شركات الذكاء الاصطناعي والمجتمع تجعل الشعب شريكاً في الصناعة، لا متشكِّكاً فيها، أو رافضاً لها أحياناً، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي استخدم المعرفة الجماعية للبشرية، وفي بعض الدول أدى التوسّع السريع في بناء مراكز البيانات، إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، ومع الانتشار الواسع تتهدّد الوظائف في مجموعة من القطاعات، وإذا فشلت فكرة توزيع فوائد التكنولوجيا بصورة عادلة، فقد يواجه تطويرَه بعضُ العوائق في دول محدودة.

لقد أسهم أفراد المجتمع في نجاح الذكاء الاصطناعي، وأفضل طريقة لتقليل الضرر الواقع عليهم من الطفرة تكمن في ألا ينفرد عمالقة الذكاء الاصطناعي في صناعة تؤثّر عليهم يومياً، وأياً كان شكل المشاركة - صندوق ثروة عام يستثمر في الأسهم، أو ضرائب أرباح الذكاء الاصطناعي - فلا ينبغي استبعاد المجتمع من الطفرة الحالية، دون أعباء كثيرة أخرى على الصناعة.

إن الذكاء الاصطناعي أصبح محرّكاً رئيسيّاً للثروات المليارية، وكلُّ تطور جديد في الصناعة يؤثّر على الاقتصاد العالمي وثروات المليارديرات، وبات اليوم أكبر مجالات الثراء والاستثمار في العالم، في ظل تدفّق التمويل على الشركات المطورة للنماذج. ومع مخاوف اتساع فجوة الثروة ورضا الجمهور عن الصناعة، بات الاتجاه نحو البحث عن مشاركة الأرباح تعويضاً لمخاطر الوظائف، لكن يجب أن تتوازن الحلول حتى لا يعيق تغيّر شكل الملكية، أو أدوات توزيع الثروةِ، الابتكارَ.

*باحثة - رئيس قطاع الاتصال المؤسسي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.