جاء يوم اللاجئ العالمي الذي يصادف 20 يونيو هذا العام، في ظل أوضاع مأساوية للاجئين، فقد عاشت مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية قبل أيام أحداث عنف وفوضى كادت تودي بحياة العشرات من أسر المهاجرين، على أثر حادث طعن لمواطن أيرلندي على يد لاجئ سوداني، حيث تحركت قوى اليمين المتطرفة بالتحريض ضد كل المقيمين الغرباء.
انتقلت شرارة الأحداث سريعاً كالنار في الهشيم من منطقة لأخرى وعاش أصحاب البشرة السمراء من أبناء الجاليات العربية والأفريقية لحظات قاسية من الرعب، خاصة مع إشعال ملثمين للبيوت التي تؤويهم، وقد حاصرتهم النيران، دون أن يستطيعوا الخروج إلا بمعاونة أجهزة الأمن.
ما وقع في بلفاست ليس استثناء، فالنار تبدو كامنة تحت الرماد في أكثر من بؤرة حول العالم، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها معظم الدول وارتفاع نسب البطالة والتضخم، فإن البعض يعزي ذلك إلى عمليات الهجرة غير الشرعية ولجوء مئات الآلاف من الذين فروا من ويلات الحروب في بلادهم بحثاً عن ملاذ آمن.
حينما نتابع ما يجري في العالم حولنا بتركيز، سوف ندرك بوضوح قيمة ما تقوم به قيادة الإمارات من نشر قيم التعايش والتسامح، وسر إصرارها على إفشاء روح الأخوة الإنسانية، وتطبيقها عملياً لهذه الأفكار مع وجود أكثر من 200 جنسية يعيشون على أرضها في وئام وسلام وينعمون بأمن وأمان.
إن الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كانت وستظل من أكبر المناصرين والداعمين للاجئين حول العالم، وتسعى عبر المبادرات النوعية التي تقدمها إلى دعم قدراتهم، وتعزيز الجهود الدولية لتخفيف وطأة المعاناة التي يواجهونها، وتعمل على توفير ظروف حياة أفضل للجميع.
وبحسب سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة، رئيس هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، فإن الدولة اتخذت نهجاً ثابتاً في تعزيز استجابتها تجاه قضايا اللاجئين والنازحين، يعتمد على الإسهام في إيجاد الحلول المبتكرة والملائمة للحد من تداعيات اللجوء الإنسانية، وتجفيف منابع اللجوء والنزوح عبر دعم المجتمعات الأقل حظاً، وتبني المبادرات التي تحقق الأمن والاستقرار وتعزز قيم السلام والتعايش والأخوة الإنسانية.
وقد رأينا عندما جاء الاختبار الحقيقي مع الهجمات الإيرانية العدوانية السافرة، كيف حصدت الإمارات ثمار ريادتها في هذا الملف، حيث سارع المقيمون (من مختلف الجنسيات) بمشاركة المواطنين في دعم القيادة ورفض الممارسات العدوانية التي قامت بها طهران ضد بلادنا، وخلال عشرات الفعاليات عبروا بكل مودة وإخلاص عن عميق تضامنهم ومحبتهم للإمارات وقيادتها.
وقد استوقفتني - على وجه الخصوص - حالة التدافع للمشاركة في مبادرة «عهد ووعد»، التي افتتحها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش، في مركز أبوظبي للطاقة بحضور ما يقارب 5 آلاف شخص، وشهدت مشاركة مجتمعية كبيرة شملت كافة فئات المجتمع.
الزخم الكبير الذي شهدته المبادرة جعل منها تظاهرة وطنية عززت روح الانتماء والولاء ورسخت القيم الوطنية لدى أفراد المجتمع، ومشاركة المقيمين فيها جسد حقيقة مشاعرهم تجاه الدولة، التي احتضنتهم على مدار سنين إقامتهم فيها، فلم يجدوا خلالها سوى العدل والمحبة والتسامح والكرامة، حتى أضحت الإمارات وطناً ثانياً لهم.
هذه الأجواء التي تدهشنا، ربما تفسر لنا «كيمياء العلاقة» التي تربط المقيمين بالقيادة، والتي نقتفي أثرها فيما يقوم به المقيمون من اقتباس بعض كلمات صاحب السمو رئيس الدولة في مواقف شتى، مثل كلمته «لا تشيلون هم» التي وجهها لطمأنة الجميع خلال جائحة «كورونا».
لقد أصبحت الإمارات وطناً للجميع دون تفرقة، حيث يحمل المقيمون ثقافات وخلفيات متنوعة، ويعيشون معاً في أمن واستقرار واحترام متبادل ووحدة هدف ويعملون ويسهمون بجهودهم في صناعة مستقبل الإمارات، وهذا الواقع يمثل أحد أعظم الإنجازات التي حققتها دولة الإمارات.
ولا شك أن هذا الإنجاز يعكس الرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة، التي تقود البلاد بحكمة نحو مزيد من التقدم والازدهار، مما يعمق شعورنا بالفخر والاعتزاز للقائد الذي أظهر براعة وإنسانية في قيادة سفينة الوطن إلى بر الأمان.
الخلاصة والدرس المستفاد ما بين بلفاست وأبوظبي، هو ضرورة تعميم تجربة الإمارات في التعايش واستلهام رؤيتها الرائدة كنموذج للتسامح ومد اليد للتعاون فيما يحقق الخير لصالح كل بني البشر، فلا مناص من تعزيز قيم السلام والتفاهم والتعاون بين الشعوب والثقافات المختلفة.


