اجتماع مجموعة السبع يوم الأربعاء الماضي مع «ثلاثي الذكاء الاصطناعي» داريو أمودي وسام ألتمان وديميس هاسابيس، قد يكون الحدث الأهم في فعاليات القيمة. فالقيم السوقية الهائلة لشركاتهم تُضاهي إنتاج دول بأكملها، بينما تحمل تقنياتهم في طياتها وعوداً بزيادة إنتاجية الشركات، وخطراً حقيقياً يتمثل في نشوب حروب، سواء حقيقية أو معلوماتية. كما أن تلك الشركات أميركية، ما يُعد دليلاً إضافياً على تبعية أوروبا التكنولوجية.
وقد تجلّى معنى تلك التبعية عندما حظر البيت الأبيض مؤخراً وصول الأجانب إلى أحدث نماذج شركة «أنثروبيك» وأكثرها قوة، مثل نموذج «ميثوس». ولا يزال دافع إدارة ترامب لاتخاذ تلك الخطوة العنيفة غامضاً، والتي تمّت ظاهرياً لأمن الذكاء الاصطناعي، ولكن لها دوافع سياسية خفية نظراً للمناوشات السابقة بين «البنتاجون» وشركة «أمودي».
وقد يعود السبب إلى أن «أنثروبيك» بالغت في تضخيم خطورة نماذجها اللغوية الضخمة، واحتمال إساءة استخدامها إذا وقعت في الأيدي الخطأ. وبغضِّ النظر عن السبب الغامض، فإن ذلك يُعتبر تذكيراً جديداً بأن أوروبا وحلفاءها من الدول المتوسطة، مثل كندا، يبدون بلا رأي في التكنولوجيا التي سيعتمدون عليها بشكل متزايد.
ويبدو أن الابتزاز التكنولوجي يدفع أوروبا بالفعل إلى إنشاء شركات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار شركة «ميسترال» الفرنسية، وبدائل محلية لشركات الحوسبة السحابية الأميركية المهيمنة. لكن حظر «أنثروبيك» يُعد كارثة حقيقية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكير جديد لدى القوى المتوسطة، التي تواجه خطر التهميش في سباق محموم على النفوذ بين واشنطن وبكين.
ولإدراك أسوأ السيناريوهات، يمكن الاطّلاع على كتاب «أوروبا 2031»، وهو بمثابة دعاية تكنولوجية شيقة على شكل رواية خيالية سوداوية، جمعها نخبة من خبراء التكنولوجيا الأوروبيين وأحد المستثمرين. ويتخيل الكتاب أن الوصول إلى النماذج الرائدة سيصبح أكثر ضرورة لاقتصاد أوروبا، ولكنه في الوقت نفسه أكثر نُدرةً مع استمرار الولايات المتحدة في تقييد الوصول إليها. والنتيجة هي اتحاد أوروبي ضعيف ومنقسم، لا يملك إلا مراقبة الولايات المتحدة وهي تستحوذ على شركة «إيه إس إم إل» الهولندية الوحيدة الرائدة في مجال التكنولوجيا الأوروبية والمتخصصة في تصنيع المعدات المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية.
ومن المثير للاهتمام أن نرى مجموعة السبع، التي هي بمثابة منتدى حواري لقوى عالمية تتراجع مكانتها، إضافة إلى الولايات المتحدة، تُصدر مسودة بيان تتعهد فيه بـ«مناقشة» فرص ومخاطر الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي عقب إعلان البيت الأبيض المفاجئ عن مشروع «أنثروبيك». ويُعد المصرفيون من بين أكثر المتحمسين لتبنِّي أدوات «أنثروبيك»، وهم نقطة ضعف محتملة في حال استخدام التكنولوجيا في هجمات إلكترونية، أي أن قطع التواصل معهم ليس حلاً مثالياً.
ومن الواضح أن مجرد إصدار مجموعة السبع أو الاتحاد الأوروبي مزيداً من التصريحات لن يكون كافياً. ويدعو مؤلفو تقرير «أوروبا 2031» إلى تشكيل تحالف من القوى المتوسطة لممارسة نفوذ حقيقي على إتاحة الذكاء الاصطناعي عالمياً، مدفوعين جزئياً بالاستثمارات داخل القارة الضخمة في مراكز البيانات. أما الشركات المحلية الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل «ميسترال»، التي يُقال إنها تجمع تمويلاً بقيمة 20 مليار يورو (ما يعادل 23 مليار دولار)، فتُوصف بأنها إضافة مرغوبة ولكنها عديمة الفائدة. ويؤكد المؤلفون أن «رد أوروبا لا يمكن أن يقتصر على مجرد التمني بأن يظل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي متاحاً».
ولكن بدلاً من مجرد التحلي بالشجاعة السياسية ومحاولة بناء 20% من قوة الحوسبة العالمية لصالح شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية في الغالب، قد يكون من الأفضل التركيز على نقاط قوة أوروبا. فغالباً ما تُختزل حصتها في سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية إلى شركة «إيه إس إم إل»، التي تتجاوز قيمتها السوقية 700 مليار دولار، وهو رقم ضخم بالنسبة لشركة أوروبية. ومع ذلك، يضمُّ النظام البيئي المحلي أيضاً شركة «إنفينيون تكنولوجيز» الألمانية لصناعة الرقائق، وشركة «كارل تسايس» المتخصّصة في البصريات، إضافة إلى مراكز جديدة لصناعة أشباه الموصلات في بولندا وغيرها.
وقد يُشكّل تعزيز الاستثمارات وتوسيع الحماية السياسية ضمن مجموعة أصغر من دول الاتحاد الأوروبي، مثل الاقتصادات الستة الرئيسية: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وهولندا وإسبانيا، استجابة أكثر فعالية لسياسات الولايات المتحدة.
ورغم سجلِّ أوروبا السابق من الإخفاقات المُحرجة في مشاريع السيادة التكنولوجية على غرار رؤية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بدءاً من مشروع «مينيتيل»، وصولاً إلى محرك البحث «كوانت» المناقس لـ«جوجل»، فإن الحاجة اليوم إلى بدائل تكنولوجية محلية أقل تكلفة وأقل ارتباطاً بالشروط الأميركية تبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وقد بدأت مؤسسات فرنسية بالفعل في استبدال شركة «بالانتير تكنولوجيز» ببدائل محلية، ومن المرجّح أن تحذو جهات أخرى هذا النهج.
ومن المرجّح أن تمرُّ «لحظة ميثوس» كسابقاتها من التحذيرات المرتبطة بترامب، من «يوم التحرير» إلى ملف غرينلاند، إذ يعلو جرس الإنذار ثم ما يلبث أن يخفت مع تأجيل الاتحاد الأوروبي الاستجابة مجدّداً. لكن في لحظة تُنتج فيها الأسواق الأميركية أولى الثروات التريليونية، وسط جاذبية استثنائية لأسواق الأسهم الأميركية، فإن هذه اللحظة لها أهمية بالغة.
*كاتب متخصص في الشؤون الأوروبية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


