استقال رئيس وزراء بريطانيا السير كير ستارمر وسط موجة من اللامبالاة. فقد ألقى ستارمر خطاباً مؤثراً يوم الاثنين، واقفاً أمام الباب الأسود لمقر رئاسة الوزراء في 10 داونينج ستريت، وهو المكان الذي أصبح المنصة المعتادة لوداع العدد المتزايد من رؤساء الوزراء البريطانيين المغادرين مناصبهم. ويقع داونينج ستريت على بُعد ما يزيد قليلًا على 100 ياردة من المكان الذي أُعدم فيه الملك تشارلز الأول عام 1649.
فأين بدأ انهيار مسار ستارمر الاشتراكي؟ فقبل أقل من عامين فقط، قاد  ستارمر حزب «العمال» إلى فوز كاسح في الانتخابات العامة. وكان يتحدث آنذاك عن قيادة حكومته لعقد كامل. كما تعهد بأن حزب «العمال» سيضع «الوطن أولًا والحزب ثانياً»، وأن حالة عدم استقرار حزب «المحافظين»، الذين تعاقب منهم خمسة رؤساء وزراء خلال 14 عاماً، قد انتهت. لكن حزب «العمال» أضر نفسه اليوم، وعادت وستمنستر مجدداً إلى أجواء الغموض وعدم اليقين السياسي.
وسقط ستارمر بسبب الركود الاقتصادي، وقلة الإنفاق على الدفاع، والإسراف في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، و إضافة إلى افتقار ستارمر، المدعي العام السابق البالغ من العمر 63 عاماً، للجاذبية السياسية، والذي أسهم في تراجع شعبيته بشكل حاد. فقد أظهر استطلاع رأي أن 79% من السكان غير راضين عنه، ما جعله يُعتبر رئيس الوزراء الأقل شعبية على الإطلاق، حتى إنه أقل شعبية من ليز تراوس، زعيمة حزب «المحافظين»، التي استمرت في الحكم 49 يوماً مضطربة في عام 2022.
وجاءت انتخابات أوائل مايو الخاصة بالبرلمانين الاسكتلندي والويلزي وبعض المجالس المحلية في إنجلترا كارثية لحزب «العمال». وأثار القلق داخل الحزب لاسيما عدد المقاعد التي خسرها لصالح حزب «ريفورم يو كيه» الشعبوي بزعامة نايجل فاراج، الذي نجح بخطابه المناهض للهجرة وللنخب السياسية في استقطاب ناخبين من الطبقة العاملة كان حزب «العمال» يعتبرهم جزءاً من قاعدته التقليدية. وعندما عاد نواب الحزب إلى وستمنستر بعد الحملة الانتخابية، شعروا بالصدمة من الأقاويل التي ترددت مراراً من المواطنين بأنهم لا يطيقون ستارمر.
ودفع ذلك أعضاء الحزب إلى التساؤل حول من يمكن أن يحل محله. ولم يكن الجواب واضحاً في البداية، إذ لم يكن هناك الكثير من الكفاءات القيادية داخل حزب «العمال»، كما أن الشخص الذي كان كثيرون يفضلونه، وهو عمدة مانشستر «العمالي» آندي بيرنهام، لم يكن عضواً في مجلس «العموم»، وهو شرط أساسي لتولي رئاسة الوزراء. ثم جاءت الخطوة الجريئة عندما تخلى نائب شاب عن مقعده البرلماني في دائرة ميكرفيلد العمالية التقليدية قرب مانشستر لإتاحة الفرصة أمام بيرنهام. وسارع الأخير، البالغ من العمر 56 عاماً، إلى اغتنام الفرصة بعدما كان ستارمر قد منعه من خوض انتخابات فرعية سابقة. وهذه المرة لم تعترض اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب طريقه، لأنها رأت بدورها أن ستارمر لم يعد قادراً على البقاء في منصبه.
وفاز بورنهام في الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد يوم الخميس الماضي، متفوقاً بسهولة على حزب نايل فاراج. وجاء ذلك بعد أسبوع من الاستقالة المفاجئة لوزير الدفاع جون هيلي، المعروف بجديته وتواضعه، احتجاجاً على تردد ستارمر بشأن ميزانية الدفاع. وأشارت رسالة استقالة هيلي إلى أن ستارمر «غير قادر»، وأن وزارته «غير راغبة»، في الدفاع عن البلاد. وهذا اتهام خطير لأي رئيس وزراء.
واستقال ستارمر قبل أن يواجه بورنهام في انتخابات زعامة حزب «العمال». وصرح ستارمر للبريطانيين بأنه يتوقع انتهاء انتخابات الزعامة، ما يعني انتهاء ولايته، بحلول نهاية أغسطس. إلا أن هذا الجدول الزمني قد تم تقليصه لاحقاً بإعلان وزير الصحة السابق، ويس ستريتينغ، تراجعه عن نية الترشح للقيادة. وبذلك يجد بورنهام نفسه أمام فرصة سانحة، وبالتالي قد يتولى رئاسة الوزراء بحلول الأسبوع الثاني من يوليو المقبل.
أما بشأن توجهات رئيس الوزراء المحتمل، فلا تزال غامضة للغاية. إذ يعتبر بيرنهام، الذي يتمتع بحضور ودود وقريب من الناس، شخصية مستقرة وإن لم تكن بارزة في حكومات توني بلير وغوردون براون خلال العقد الأول من الألفية الحالية. لكن لا يعرف أحد ما إذا كان سيخفض الإنفاق الاجتماعي، أو يخفف التزاماته المتعلقة بصافي الانبعاثات الصفري، أو يزيد الإنفاق الدفاعي. فبينما قد تحظى هذه السياسات بتأييد الناخبين، فإن حزب «العمال» نفسه يميل إلى اليسار أكثر من معظم الناخبين البريطانيين.لكن هذه القضايا لم تعد تشغل بال ستارمر. فقد ودع منصبه قائلاً إنه يغادر «أكبر منصب في البلاد» ليتفرغ لـ«أهم وظيفة على الإطلاق»، وهي أن يكون زوجاً وأباً صالحاً. وتعتبر تلك العبارة نسخة معاصرة مستوحاة من كلمات الملك تشارلز الأول الأخيرة: «أنتقل من تاج قابل للفساد إلى تاج لا يفسد».
*صحفي بريطاني
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»