في القرن الـ19، أتقنت بريطانيا ما سمّاه الصحفي والتر باجيت «الحكم بالحوار». وفي القرن الـ20، أتقنت الحكم بالأحزاب المنضبطة والديمقراطية.. لكن أيّ شكل جديد من الحكم تعدُّ رائدة فيه اليوم؟ شهدت المملكة المتحدة ستة رؤساء وزراء على مدار العِقد الماضي، وهي على وشك تنصيب رئيس وزراء سابع. ومع ذلك، يأمل نواب البرلمان بأن يحقق هذا السابعُ النجاحَ المنشودَ بشكل سحري. الحكم بالانفعالات العاطفية يجعل النُّخبةَ تركّز على شخصية سياسية لم تكن معروفةً حتى وقت قريب، فتحْملها بحماس إلى مقرّ رئاسة الوزراء في داونينج ستريت.

وسرعان ما يتلاشى هذا الحماس مع تعثُّر رئيس الوزراء الجديد أمام حقائق السلطة. ويتحول الحماس إلى ارتياب، والارتياب إلى ازدراء، بل وكراهية، حيث ينصبُّ تركيز الجميع على بطل منقذ جديد، ويطيحون ببطل الأمس من منصبه. وقد أشادت المؤسّسة اليمينية بخليفة ديفيد كاميرون، كما فعلت مع زميلته المحافظة تيريزا ماي باعتبارها تجسيداً لمارغريت تاتشر، ورأت فيها المرأة المناسبة لمواجهة بروكسل في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ثم اكتشفت أنها مجرد سياسيةٍ آليةِ الأداء ومتوسطة الكفاءة. كما امتدحت المؤسسةُ نفسُها بوريس جونسون واعتبرته عبقرياً سياسياً، ورأت فيه الرجلَ الوحيدَ القادرَ على كسر الجمود الناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي («بريكست») وإضفاء البهجة على البلاد، قبل أن تكتشف أن سجلَّ سيرته الذاتية «اللافت» تَكشَّف عن شخصية تعاني مشكلات جوهرية. وحتى ليز تراس، التي لم يحالفها الحظ، نالت معاملةَ تاتشر، فقد أشاد رئيس تحرير صحيفة «صنداي تلغراف» بخطابها الاستثنائي. أما حزب العمال، فيسير على النّهج المحافظ حرفياً، مع توقعات بأن الحذر القانوني الذي يتسم به كير ستارمر سيعيد الهدوءَ إلى البلاد و«يصلح كل شيء، بل يزعم البعض أنهم اكتشفوا خلف شخصيته الهادئة جاذبية استثنائية، بل وعبقرية سياسية.

والآن يتكرر المشهد نفسه مع آندي بورنهام. فقد تم استقباله لدى وصوله إلى لندن كما لو كان فلاديمير لينين الجديد عند وصوله إلى سانت بطرسبرغ، بينما احتشد نواب حزب العمال حوله كما لو كان أحد الأخوين غالاغر من فرقة «أواسيس»، لا نائباً سياسياً جديداً. وحتى الآن، لم يتركز الاهتمام عليه إلا من خلال تفاصيل شكليةٍ، مثل ملابسه وموسيقاه المفضّلة. أما القضايا الأكثر أهمية، مثل الاقتراض وإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فلا تزال مواقفه منها تتسم بالغموض والتناقض. وتتحمل عملية «بريكست» جزءاً من مسؤولية ذلك، فقد كانت بمثابة نوبة غضب عارمة وثورة ضد الوضع الراهن باسم الهوية الوطنية، كما كانت ضربةً قويةً للمؤسّسة الحاكمة. ودافع مؤيدو البريكست عن موقفهم بالأعلام والشعارات، بدلاً من الإحصاءات والحسابات. وبعد تصويت بريطانيا لصالح الخروج، لجأوا إلى شكل متطرف من الخروج عن طريق استغلال المشاعر السلبية مراراً.

ووُصف من أرادوا حلولاً وسطاً بأنهم «أعداء الشعب». الحُكم الفعّال يتطلب أفضل الكفاءات، ويقوم على محاورة السياسيين لإثبات جدارتهم في المناقشات البرلمانية، كما كان الشأن بالنسبة لنظام الحكم الحزبي في القرن الـ20، إذ اختار سياسيين من مختلف أنحاء المملكة المتحدة، من نقابيين وأرستقراطيين، وأجبرهم على التدرّج في السّلم السياسي، فشغل جيمس كالاهان جميع المناصب العليا في الدولة قبل أن يصبح رئيساً للوزراء.

أما الحكم القائم على العاطفة، فلا يملك آليةً قوية لفرز الكفاءات، ولهذا السبب استطاع نحو 80 ألف عضو فقط في حزب المحافظين فرضَ ليز تراس رئيسةً للوزراء. كما أن الحكم الجيد يحتاج إلى سياسات مستقرّة ومتّسقة، لكن الحكم عبر نوبات الانفعال لا يُغير رئيسَ الوزراء فحسب، بل يُطيح أيضاً بجزء كبير من الوزراء وشاغلي المناصب الحكومية، فتتبدل السياسات، ويَهدر الوزراءُ الجددُ وقتَهم في تعلّم مهام العمل، بينما تفتقر الخدمةُ المدنيةُ الدائمةُ إلى التوجيه. ويتمتع آندي برنهام ببعض المزايا، إذ أدرك أن بريكست كان تمرداً للمقاطعات على لندن بقدر ما كان تمرداً على أوروبا، كما أمضى عشر سنوات في مانشستر، رغم أن طموحه السياسي كان في وستمنستر. ومع ذلك، يبدو أنه أقل استعداداً للمنصب من أسلافه، إذ أن توني بلير ومارغريت تاتشر استغلا سنوات المعارضة لإعداد برامج حكم واضحة، بينما كان خطأ ستارمر عدم استغلال السنوات التي قضاها في المعارضة بشكل مناسب.

كما قد يصل برنهام إلى رئاسة الحكومة دون أن يمر بفترة في المعارضة، أو يضع برنامجاً انتخابياً، وحتى دون أن يخوض المنافسةَ على زعامة الحزب. وربما يكون برنهام قد أعدَّ خلال وجوده في مانشستر رؤيةً واقعيةً للحكم، تجمع بين النمو والشمول ونقل السلطة مع الهدف الوطني. لكن إدارة مدينة تختلف عن إدارة دولة، كما أن صلاحيات رؤساء البلديات في بريطانيا محدودة، وليس لدى برنهام أي خبرة في السياسة الخارجية.والأرجح أن النتيجة ستكون هي نفسها كما كانت في الانفلاتات العاطفية السابقة، فالحماسُ قصير الأمد تتبعه خيبةُ أمل طويلة الأمد. والمشكلة لا تقتصر على برنهام فحسب: فنظام اختيار وترقية الساسة مصمَّم بطريقة تقود إلى نتيجة مثل هذه.

*مؤلف كتاب «أرستقراطية الموهبة: كيف صنعت الجدارة العالم الحديث؟»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»