في الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، لا يبدو الحدث مجرد محطة مصرية داخلية، ولا لحظة إسقاط حكم جماعة سياسية، بل يظهر بوصفه لحظةً كاشفةً في تاريخ الدولة الوطنية في العالم العربي. فقد وضع مصرَ والمنطقةَ أمام سؤال حاسم: هل تكون الدولة وطناً جامعاً لكل مواطنيها، أم تتحول إلى فرع من مشروع تنظيمي يتجاوز حدودَها وسيادتَها؟ كانت 30 يونيو فارقةً لأنها كشفت الفارقَ العميق بين الدولة الوطنية والتنظيم الأيديولوجي.
فالدولة تقوم على العمومية، والمؤسسات، والمواطنة، وإدارة التعدد، ولا تستقيم إلا حين تكون فوق الأحزاب والجماعات والولاءات الضيقة. أما التنظيم الأيديولوجي، حين يصل إلى السلطة، فإنه لا يدخل الدولة غالباً ليخدم منطقَها، بل ليعيد تشكيلها على صورته، فيحوّل المؤسسات إلى أدوات، والشرعية إلى غلبة انتخابية، والوطن إلى مساحة اختبار لمشروع لا يعترف بحدود الدولة إلا بقدر ما تخدمه.
ومن هذه الزاوية، لم تكن 30 يونيو مجرد خروج شعبي واسع، بل كانت استعادةً مصريةً لمركز الدولة. لقد أدرك المصريون أن الخطر لم يكن في أخطاء إدارة عابرة، بل في محاولة نقل الثقل من الوطن إلى الجماعة، ومن الدستور إلى التأويل الحزبي، ومن المواطنة إلى منطق الاصطفاف والتمكين. كانت مصر أمام احتمال دولة قائمة في الشكل، لكنها مرتهنة في العمق لبنية تنظيمية موازية تفكر بشبكاتها وتتحرك بأولوياتها. لذا كانت 30 يونيو لحظةَ تصحيح كبرى، لأنها أعادت طرح السؤال الأصلي: لمن تكون الدولة؟ هل تكون لجميع مواطنيها، أم لمن يملك التنظيمَ الأقدرَ على التعبئة؟ هل تكون السيادةُ للمؤسسات الوطنية، أم لبُنى حزبية عابرة للحدود؟ وهل يكون الصندوق وسيلةً لتداول السلطة، أم جسراً لإعادة صياغة هوية الدولة والمجتمع؟ في هذا السياق، يكتسب موقف دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، دلالتَه العميقة.
فالإمارات لم تقرأ ما جرى في مصر باعتباره أزمةً سياسيةً عابرة، بل اختباراً لمصير الدولة الوطنية العربية. لقد أدركت مبكراً أن إضعاف مصر أو سقوطها في الفراغ لن يكون شأناً مصرياً فحسب، بل زلزالاً عربياً وإقليمياً، فمصر مركز توازن وركيزة استقرار، وحين تهتز تضطرب معها خرائطُ الأمن العربي كله.
ومن هنا، لم يكن الموقفُ الإماراتي دعماً ضد فصيل بعينه، بل انحيازاً واضحاً إلى فكرة الدولة. فقد تعاملت الإمارات مع «الإسلام السياسي» لا بوصفه اختلافاً حزبياً عادياً، بل كمشروع ينازع الدولةَ الحديثةَ في شرعيتها ومؤسساتها وحقها الحصري في القرار والسيادة. وقد أثبتت تجاربُ المنطقة أن إضعافَ الدولة لا يلد حريةً بالضرورة، بل يفتح البابَ لقوى ما دون الدولة: ميليشيات، وجماعات مسلحة، وولاءات خارجية، واقتصادات فوضى، وخطابات تعبئة دينية وطائفية.
وإذا كانت 30 يونيو قد أنقذت الدولةَ المصريةَ من منطق التنظيم، فإن ما شهدته المنطقةُ بعد السابع من أكتوبر 2023 أعاد تأكيدَ مركزية هذا الدرس. فقد ظهر أن انهيارَ الدولة لا يترك فراغاً محايداً، بل تستدعيه المحاورُ، وتملؤه الميليشيات، وتتحول فيه الشعوبُ إلى وقود لصراعات لا تملك قرارَها. وهنا يصبح سؤالُ الدولة سؤالَ حياة: مَن يحتكر السلاحَ؟ مَن يقرر الحربَ والسلم؟ ومَن يدفع ثمنَ المغامرة؟ لهذا تبدو 30 يونيو، بعد ثلاثة عشر عاماً، أكثر راهنيةً من لحظتها الأولى. فهي ليست ذكرى مصرية فقط، بل درسٌ عربي في معنى الدولة.
لقد قالت إن الشرعية لا تُختطف باسم الدين، وإن الصندوقَ لا يمنح تفويضاً مفتوحاً لتغيير هوية الوطن، وإن الشعوبَ قد تصبر على الأزمات، لكنها لا تقبل أن ترى دولَها تتحول إلى ورقة في يد تنظيم أو محور. لقد اختارت مصر في 30 يونيو أن تستعيد دولتَها، واختارت الإماراتُ أن تقف مع الدولة المصرية، لأن التاريخ، في لحظاته الحاسمة، لا ينحاز إلى أعلى الشعارات صوتاً، بل إلى مَن يحمي الأوطانَ مِن أن تتحول إلى خرائط ممزقة في دفاتر الآخرين.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.


