لم يُنشأ الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإدارة النزاعات بين الدول فحسب، بل لحماية السِّلم والأمن الدوليين عندما تتعرض القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي لخطر يهدد استقراره. وعندما وُضع الميثاق، كان التهديد الأكبر يتمثل في الحروب والاحتلال العسكري. 
أما اليوم، فلم تَعُد أخطر التهديدات تقتصر على الجيوش والحدود، بل امتدت إلى الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن حماية هذه المرتكزات لم تَعُد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبحت جزءاً من مفهوم السّلم والأمن الدوليين، لأن تعطيلها لم تَعُد يهدد الأسواق وحدها، وإنما استقرار النظام الدولي.
ومن هنا يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز اختبارات هذا التحول. فالمضيق ليس مجرد ممر تعبره تجارة الطاقة العالمية، بل أحد شرايين الاقتصاد الدولي. ولذلك فإن أي تهديد لحرية الملاحة فيه لا ينعكس على الدول الخليجية وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، لأن الممرات البحرية أصبحت جزءاً من البنية التي يقوم عليها أمن الطاقة واستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد.
غير أن التطور الأخطر لا يتمثل في التهديد بإغلاق المضيق، بل في السعي إلى إعادة صياغة قواعد الملاحة الدولية عبر فرض مسارات إلزامية، ورسوم على العبور، وادّعاء حق تقرير المرور. وهي محاولة لا تستهدف حرية الملاحة وحدها، بل النظام القانوني الذي يحكمها.
فخرق القانون، مهما بلغت خطورته، يظل اعتداءً على قاعدة قائمة تستطيع المؤسسات الدولية التعامل معه. أما إعادة تعريف تلك القاعدة وفق إرادة دولة واحدة، فتقوّض المرجعية القانونية نفسها، وتنقل العالم من سيادة القانون إلى سيادة القوة. 
فالأول يهدد تطبيق القانون، أما الثاني فيهدد وجوده، لأن النظام الدولي يستطيع معاقبة من يخالف قواعده، لكنه لا يستطيع الاستمرار إذا أصبحت قواعده محل تفاوض تحت ضغط القوة. وعندئذٍ لا يعود الأمر مجرد مخالفة قانونية، بل يصبح ارتداداً إلى منطق السيطرة على الممرات البحرية بالقوة، بعد أن أنهى القانون الدولي مرحلة كانت قواعد العبور فيها تخضع لإرادة الأقوى، وأرسى نظاماً يجعل القانون، لا الموقع الجغرافي، المرجعية الحاكمة للمضائق الدولية.
فالقانون لا يحمي مضيق هرمز لموقعه، بل لوظيفته في ضمان انسياب التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة. وحين تصبح هذه الوظيفة مهدَّدة، يمتد الخطر إلى المصالح المشتركة التي أُنشئ الفصل السابع لحمايتها. 
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما زال الفصل السابع يُقرأ بالمنطق الذي صيغ به قبل ثمانية عقود، أم أن تطور طبيعة التهديدات يفرض قراءة أكثر اتساعاً لوظيفته؟ فحماية السِّلم والأمن الدوليين لم تَعُد تقتصر على وقف الحروب، بل أصبحت تشمل حماية البنية التي يقوم عليها الاستقرار العالمي عندما تتعرض للابتزاز أو التعطيل.
ولا تتوقف خطورة القضية عند مضيق هرمز، بل تمتد إلى الرسالة التي قد يبعث بها النظام الدولي إلى العالم. فإذا نجحت دولة في فرض إرادتها على أحد أهم الممرات البحرية عبر التهديد أو الابتزاز، فلن يكون ذلك سابقة تخصُّ هذه الحالة وحدها، بل سيؤسِّس لسابقة تتجاوز هرمز، لأن التسليم بإعادة صياغة قواعد الملاحة تحت ضغط القوة سيغدو منطقاً قابلاً للتكرار في ممرات دولية أخرى. 
وعندها لن يكون الخطر على مضيق بعينه، بل على القاعدة التي يقوم عليها النظام الدولي، وهي أن الحقوق تُكتسب بالقانون لا بالإكراه، وأن الممرات الدولية لا تُدار بمنطق القوة. وإلا فإن العالم لن يكون بعيداً عن العودة إلى مرحلة سبقت القانون الدولي، حين كانت السيطرة على طرق التجارة تُفرض بالنفوذ الاستعماري والقرصنة لا بالشرعية.
ومن هنا، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بقدرة الفصل السابع على مواكبة طبيعة التهديدات التي يواجهها النظام الدولي اليوم. 
فإذا كان الفصل السابع قد أُنشئ لحماية السِّلم والأمن الدوليين، فإن حماية الممرات البحرية التي يتوقف عليها استقرار الاقتصاد العالمي لا تُمثل توسعاً في تطبيق الفصل السابع، بل تطبيقاً مباشراً للغاية التي أُنشئ الفصل السابع لتحقيقها. ومن ثم، فإن تفعيله في مواجهة أي محاولة لإخضاع حرية الملاحة لمنطق الإكراه لا يمثّل انتقاصاً من سيادة الدول، بل دفاعاً عن القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي نفسه.
إن السؤال الذي سيحدِّد مستقبل النظام الدولي ليس مَن يملك ضفتي مضيق هرمز، بل من يملك حق إعادة كتابة القواعد التي تحكمه. فإذا أصبح هذا الحق خاضعاً لإرادة القوة، فلن يكون هرمز آخر الاختبارات، بل بداية مرحلة يتراجع فيها القانون الدولي أمام الجغرافيا السياسية.
فالجغرافيا تمنح الموقع، وقد تمنح النفوذ، لكنها لا تنشئ حقاً. فالممرات الدولية لا تحكمها الجغرافيا، بل القواعد التي تحكم النظام الدولي: سيادة القانون، لا قانون القوة.


*كاتب وباحث إماراتي.