كتب الأميرال البحري ألفريد ثاير ماهان عام 1890: «وراء البحار الشاسعة تكمن أسواق العالم، ولا يمكن دخولها والسيطرة عليها إلا عبر منافسة قوية». وقد أدرك ماهان أن ازدهار الدول وبقاءها يعتمدان على أساطيلها البحرية، ولا تزال هذه الحقيقة قائمة حتى اليوم.
لقد حملت أربع مدمرات تابعة للبحرية الأميركية اسم «يو إس إس ماهان»، وكانت أحدثها قد عادت إلى قاعدة نورفولك في مايو الماضي بعد انتشار استمر 11 شهراً. ويعكس طول تلك المهمة كيف أدّت عقود من نقص الاستثمار إلى استنزاف قدرات البحرية الأميركية وتقليص جاهزيتها.
وفي مطلع القرن الحالي، كانت الولايات المتحدة تمتلك عدداً من السفن الحربية يقارب ضعف ما تمتلكه الصين. لكن خلال الفترة ما بين عامي 2015 و2020، تفوقت الصين، واتسعت الفجوة منذ ذلك الحين. ولا تستطيع البحرية أداء مهامها من دون موارد تعكس الأهمية المحورية للقوة البحرية. إلا أن الولايات المتحدة تمتلك العام الجاري فرصة لإنهاء عقود من تأجيل الحلول، عبر التعامل مع أزمة البحرية باعتبارها حالة طوارئ حقيقية.
وكما أكد الرئيس دونالد ترامب، ينبغي لحلفاء الولايات المتحدة أن يتحملوا نصيباً أكبر من أعباء الدفاع، لكن تركيزهم ينصب أساساً على القوات البرية والجوية. أما القوة الوحيدة في العالم القادرة على ضمان حرية الملاحة عبر جميع المحيطات فهي البحرية الأميركية.
لذا، يجب على الكونجرس إقرار مشروع قانون مخصصات وزارة الحرب للسنة المالية 2027 على الفور، مع جعل البحرية المستفيد الرئيسي. فخلال الـ15 عاماً الماضية، اضطر الجيش إلى تحقيق أهداف الأمن القومي الحاسمة بموجب مخصصات مؤقتة في شكل قرارات تمويل مستمرة. ويجب وضع إنهاء ذلك النهج الذي يقيد البرامج الجديدة، ويعيق قدرة البحرية على إجراء التعديلات اللازمة لمواكبة خصوم البلاد، بتجميده مستويات الإنفاق.
بعد ذلك، من الضروري وضع سياسة صناعية تُشجع بناء السفن التجارية والبحرية، إذ يرتبط القطاعان ارتباطاً وثيقاً، كما لاحظت خلال جولاتي في أكثر من 12 حوضاً لبناء السفن داخل الولايات المتحدة وخارجها. وفي عام 1975، كانت أميركا أكبر دولة في العالم في بناء السفن، لكنها حالياً في المرتبة الـ19، وتنتج خمس سفن سنوياً، مقارنة بـ1700 سفينة تنتجها الصين.
من حيث المبدأ، يجب أن يكون دور الحكومة في القطاع الخاص محدوداً، لكن الولايات المتحدة لن تمتلك أبداً القوة البحرية التي تحتاج إليها دون تدخل على غرار قانون «السفن لأميركا» المتعثر، من خلال طلب متوقع على مشتريات البحرية، وتمويل تعاوني بين القطاعين العام والخاص، واستثمار في بناء قوة عاملة ماهرة.
كما يتعين على البحرية أن تُحسن إدارة أموال دافعي الضرائب، إذ تُعتبر المنظومة التي تسمح للمقاولين الرئيسيين بالتهرب من دفع حصتهم في مراحل التطوير المبكرة صادمة، بل إنها تفرض قواعد غير منطقية تمنع أفراد البحرية من إجراء الإصلاحات بأنفسهم على متن السفن، في حين يتطلب إصلاح فرن داخل السفينة الاستعانة بمتعهدين خارجيين باهظي التكلفة.
وتتطلب بيئة العمل التبني السريع للتقنيات الجديدة، لذلك، بعد فترة وجيزة من تعييني وزيراً للبحرية، طورنا نظام تشغيل مؤسسياً يوفّر متابعة لحظية لجميع برامج بناء السفن والاستحواذ الدفاعي، ووظّفنا الذكاء الاصطناعي في عمليات بناء السفن، وأنشأنا منصباً تنفيذياً لإدارة محافظ برامج الاستحواذ الخاصة بالروبوتات والأنظمة ذاتية التشغيل، مع التركيز على المنصات غير المأهولة.
وكنتُ أرغب في تحديث البحرية بسرعة، وربما جلب لي ذلك بعض الأعداء. لكن تاريخ الجهود الحربية الناجحة، من الحرب العالمية الثانية إلى أوكرانيا، يُثبت أن التجريب الجريء والتطوير السريع عنصران حاسمان للنجاح. وقد شهدت بنفسي صعوبة التحرك السريع من البنتاجون.
ولا تكفي التصريحات العامة المتواصلة والعبارات الرنانة حول «القدرة القتالية الفتاكة». فقد كان إغلاق إيران، وهي قوة أضعف بكثير من الولايات المتحدة، لمضيق هرمز درساً للدول الأخرى، بما فيها الصين. فالولايات المتحدة هي القوة التي لا غنى عنها في البحر، ولكن من دون الأصول المناسبة، لا يُمكننا التصرف على هذا الأساس.
ولا يعتبر مضيق هرمز هو نقطة الاختناق التجارية الوحيدة، ولا حتى الأكثر ازدحاماً. فمضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي بشرق آسيا، يمر عبره 24% من التجارة البحرية العالمية. أما مضيق باب المندب، المطل على اليمن، حيث يتمركز حلفاء إيران من الحوثيين، فيتحكم بحركة الملاحة من وإلى البحر الأحمر. كما تعزز النفوذ الصيني في قناتي السويس وبنما.ولم يكن من قبيل المصادفة أن الدستور الأميركي، حتى قبل الإشارة للقوات البرية، ألزم الكونجرس بـ«توفير وصيانة قوة بحرية». وما نحتاج إليه الآن ليس أي قوة بحرية، بل قوة ردع وقوة قتالية حديثة وقوية قادرة على إبقاء البحار مفتوحة، مما يسمح لأميركا بالبقاء آمنة وحرة ومزدهرة في عالم أشد خطورة مما كان يتصوره ماهان.
*وزير البحرية الأميركي التاسع والسبعون.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


