اختتمت إسبانيا، بفوزها المستحق 1-0 على الأرجنتين، في 19 يوليو الجاري، أكبرَ نسخة على الإطلاق من بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، بنهاية لا تُنسى. واستضافت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك البطولةَ التي استمرت ستةَ أسابيع، وتغلّبت على الشكوك المبكرة بشأن ارتفاع أسعار التذاكر، وصعوبة السفر، وتحدي توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً. وبإطلاق صافرة النهاية، اقتنع معظم النقاد بنجاحها.
شهدت البطولة 104 مباريات، وتنوعاً استثنائياً في الإثارة الكروية. ومن اللافت أن المنتخبات الأربعة التي وصلت إلى نصف النهائي كانت أيضاً الفِرق الأربعة الأعلى تصنيفاً قبل انطلاق البطولة، وهذه نتيجة غير معتادة في رياضة تشتهر بالمفاجآت. غير أن جودة المباريات النهائية بررت تلك التصنيفات، فقد فازت إنجلترا على فرنسا 6-4 في مباراة تحديد المركز الثالث المثيرة، والتي كانت الأعلى تسجيلاً للأهداف في البطولة. وفي اليوم التالي، سيطرت إسبانيا على المباراة النهائية، واستحقت الفوز على الأرجنتين في الوقت الإضافي لتتَوَّج باللقب.
ورغم انتصار القوى الكروية الكبرى في نهاية المطاف، احتفت البطولةُ أيضاً بالانتشار العالمي المتزايد لكرة القدم. فقد أذهلت الرأسُ الأخضر، التي شاركت في كأس العالم للمرة الأولى، الجماهيرَ بتعادلها مع إسبانيا، بطلة البطولة، في الدور الافتتاحي. وأكدت كل من المغرب ومصر والنرويج أن المنتخبات الصاعدة قادرة الآن على منافسة النخبة التقليدية. وكان فوز النرويج المثير على البرازيل من بين المفاجآت غير المتوقعة في البطولة.
وربما تحقق أكبر نجاح للبطولة خارج أرض الملعب. فقبل انطلاق البطولة، سادت مخاوف واسعة من أن تواجه المدن المضيفة صعوبة في استيعاب التدفق غير المسبوق للمشجعين. لكن كأس العالم تحولت إلى احتفاء بالصداقة الدولية. فمن مكسيكو سيتي وفانكوفر إلى سياتل وكانساس سيتي وبوسطن وفيلادلفيا، اندمج الزوّار بسلاسة مع المجتمعات المحلية. وملأ المشجعون الاسكتلنديون شوارع بوسطن، بينما تبادل المشجعون من جميع القارات الأغاني والأعلام والقصص. وغادر كثير من الزوّار القادمين من الخارج وهم منبهرون بكرم الضيافة وحُسن التنظيم وحفاوة الاستقبال في أنحاء أميركا الشمالية، كما استمتعوا بالأطعمة المحلية.
ومن الواضح أن قرار توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً قد زاد من جاذبية الحدث، حيث أتيحت الفرصة لمزيد من الدول للمشاركة، مما أدى إلى ظهور أبطال جدد وجذب جماهيرَ من دول نادراً ما حظيت بتغطية إعلامية لكأس العالم. وسيستمر الجدل حول ما إذا كان ينبغي على «الفيفا» توسيع نطاق البطولة أكثر في عام 2030، لكن منافسات العام الحالي أثبتت أن التوسع سيُعزز من روعة الحدث، بدلاً من أن يُضعفه، إذا أُدير بعناية.
ويرجح أن البطولة قد مثلت نقطة تحول في علاقة الأميركيين بكرة القدم، إذ اكتسبت شعبيةً متزايدة على مدى عقود، لكن الملايين اختبروا لأول مرة الأجواء الفريدة والمشاعر الجياشة والاحتفالات الباهرة، التي تجعل كأس العالم حدثاً رياضياً لا مثيل له. وعلى مدار أسابيع، وفّرت البطولة متنفساً مرحباً به من التوترات السياسية الداخلية، ونافست حتى احتفالات الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة.
وربما كان ذلك أعظم إنجازات كأس العالم، فحتى في عالم ممزق بالصراعات والخلافات السياسية، فقد تجمع الجمهور لمشاهدة المباريات، من غزة إلى جزر المحيط الهادئ النائية وقرى أفريقيا، بغض النظر عما إذا كانت بلادهم مشاركة أم لا. وقلما نجد حدثاً رياضياً بتلك القدرة على توحيد الغرباء في حماس وأمل مشتركين.
ورغم أنه لا توجد بطولة مثالية، ومن المؤكد أن المنظمين سيُحسنون نظام البطولة قبل انطلاق منافسات عام 2030 التي ستشمل أوروبا وأميركا اللاتينية، إلا أن بطولة كأس العالم 2026 أثبتت أن الرياضة لا تزال قادرة على بناء جسور من التواصل تعجز السياسة غالباً عن بنائها. ولعل هذا هو إرثها الأبقى.
*مدير البرامج الاستراتيجية في مركز ناشونال انترست - واشنطن


