من أهم القضايا العاجلة التي تستطيع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية النظر فيها، هي قضية الأمن الجماعي للدول الست بوسائل أكثر جدية والتزاماً، وفي أقرب وقت.
ويأتي هذا الطرح بسبب إقدام إيران وتجرؤها على الاعتداءات الغاشمة على هذه الدول منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، دون أن يتواجد لدى دول المجلس وسائل ردع جماعية توقف هذه الدولة المارقة من التمادي في ما هي ماضية فيه.
النظر في هذه المسألة يحتاج إلى مشروع لمقترح حول موضوع الدفاع الجماعي المشترك، وفقاً لأسس علمية راسخة، لكن المشروع بشكله المتكامل يحتاج إلى جهة رسمية ترعاه، وفي هذه المقالة نحن سنقوم بوضع الأسس العريضة والعامة للمشروع، لكن قبل الدخول في صلب المسألة نشير إلى أن فكرة الأمن الجماعي لدول المجلس ليست بالجديدة.
بدأت الفكرة باكراً في بداية عقد ثمانينيات القرن العشرين عندما اندلعت الحرب العراقية -الإيرانية التي تشكل إثر اندلاعها مجلس التعاون الخليجي، وتعززت بعد اندلاع فوضى ما سمي بالربيع العربي في محيط دول المجلس وبدأت نيرانه في التسلل إلى أطراف منها، واستعار أوارها في دول عربية كمصر وسوريا وتونس واليمن، ثم ازداد الأمر تأكيداً وإلحاحاً بعد اندلاع الحرب القائمة حالياً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وما ارتكبته إيران من إثم اعتداءاتها على جميع دول المجلس.
تلكم هي الصورة العامة التي تحتم إيجاد مشروع متكامل للأمن الجماعي المشترك ووجود جهة تتولى رعايته وتنفيذه نظراً لأهميته وصفة الاستعجال التي يتطلبها.
والاعتداءات الإيرانية هي الفيصل الذي قطع كل شك بأن أمر الأمن الجماعي المشترك لدول التعاون، هو أمر جلل وضرورة قصوى، ولم تعد ترفاً يتم التندر به على هذا الصعيد أو ذاك.
دول المجلس رفعت من سقف طموحاتها الاستراتيجية في مناسبات عدة، خاصة بعد الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة وحرب تحريرها، وتحركت على الصعيد الديبلوماسي من جانب، وأبدت حلولاً زمنية بالتدخل المباشر عسكرياً في قضايا حساسة منذ عام 2011.
تلك التحركات كانت ناجحة وتدل على أن العمل الأمني الجماعي مفيد لكن هذه التحركات ليست كافية لا شكلاً ولا موضوعاً لمواجهة الاعتداءات الخارجية التي مصدرها إيران.
وقبل الابتعاد عن هذه النقطة دعونا نشير إلى أن دول المجلس مجتمعة تبدو في هذه المرحلة بأنها هي اللاعب الرئيسي حالياً على الساحة العربية الذي يستطيع أن يتحرك ويكون تحركه مفيداً وناجعاً، فالأطراف الأخرى غارقة في همومها الداخلية على الصعيدين الأمني والاقتصادي.
ما هو حاصل حالياً، هو تغير في موازين القوى السياسية والعسكرية وحدوث تغير في الجيوبوليتكس في العالم العربي وجواره الجغرافي.
هذه التغيرات تقود المراقبين السياسيين إلى إيراد مقولة جديدة، هي أن هذه هي «الحقبة الخليجية» على صعيد العالم العربي.
نتيجة هذه المعطيات الجديدة،  ينبغي التأكيـد والجزم بأن أهمية الدور الأمني المشترك لدول المجلس على الساحة الخليجية والعربية تقود إلى نقاش مستفيض حول إمكانية أو احتمال نشوء أدوار أكبر وأهم لدول المجلس على الصعد الأمنية والعسكرية للدفاع عن أوطانها.
هذا الطرح يأتي من أنه سبق وأن اعتمدت دول المجلس على مظلة أمنية خارجية تقودها الولايات المتحدة الأميركية منذ أن بدأ الدور البريطاني في الانحسار من الخليج العربي مع بداية سبعينيات القرن العشرين.
الاعتماد  في مرحلة ما على مظلة خارجية ومظاهر من عدم التوافق حول الأولويات الاستراتيجية بين الدول، جميعها تظافرت لكي تؤجل تحقيق تقدم في حقل مسيرة التعاون العسكري الجماعي المبني على مشروع «درع الجزيرة» القديم كنواة يتم البناء حولها. وللحديث صلة.

*كاتب إماراتي