بدأت أكبر أنهار أوروبا، التي تمثل شرياناً حيوياً للصناعات الثقيلة في القارة، تشهد تراجعاً حاداً في منسوب المياه بعد سلسلة من موجات الحر الشديدة التي اجتاحت المنطقة. ومع انخفاض منسوب المياه في نهري الراين والدانوب إلى مستويات قياسية، بدأ ذلك يُعيق نقل المواد الكيميائية والمنتجات النفطية وغيرها من البضائع، ويزيد تكاليف الشحن. كما تُعيق درجات الحرارة المرتفعة توليد الطاقة في المفاعلات النووية الواقعة على ضفاف الأنهار من فرنسا إلى المجر، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وإجهاد اقتصادات أوروبا الشرقية.
ويأتي ذلك بعد حرائق الغابات التي اجتاحت فرنسا وإسبانيا، في مؤشر جديد على تداعيات تغير المناخ في أوروبا، الأسرع احتراراً في العالم، واختبار لقدرة بنيتها التحتية على التكيف مع تكرار انخفاض منسوب المياه.
وقال دومينيك شوماخر، المحاضر في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، إن الاحترار الناجم عن النشاط البشري فاقم موجة الجفاف الحالية، محذراً من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيزيد آثار نقص الأمطار.
وانخفض منسوب المياه عند كاوب، وهي نقطة رئيسية للملاحة على نهر الراين، إلى 25 سنتيمتراً، مع توقع تراجعه إلى 24 سنتيمتراً خلال الأسبوع الجاري، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات عام 1880. ومع استمرار موجة الحر الرابعة التي تجتاح أوروبا الغربية هذا الصيف، تتزايد مخاطر تعطل حركة النقل على النهر.
وفي عام 2018، أجبر انخفاض منسوب الراين شركة «بي إيه إس إف» الألمانية متعددة الجنسيات، أكبر منتج مواد كيميائية في العالم، على خفض إنتاجها، فيما أكدت أنها طورت الآن بدائل للنقل، وإن كانت أكثر تكلفة. كما تسبب انخفاض المياه آنذاك في تراجع الإنتاج الصناعي الألماني بنحو 1.5%، رغم أن العديد من الشركات أعادت هيكلة سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على النقل النهري.
وأوضحت عدة شركات ألمانية في قطاعي الطاقة والنقل أنها عززت مخزون الوقود وتستعد لاستخدام سفن أصغر أو نقل جزء من الشحنات بالسكك الحديدية، بينما حذرت من أن استمرار انخفاض المياه وارتفاع تكاليف النقل والوقود يهدد قدرة أوروبا التنافسية مع آسيا وأميركا الشمالية.
ويرجع تراجع منسوب الراين والدانوب إلى موجات الحر والجفاف المتكررة، التي حدت من هطول الأمطار وزادت استنزاف رطوبة التربة، فيما أسهم تراجع ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية في جبال الألب في تفاقم الأزمة، بحسب ديفيد هانا، أستاذ الهيدرولوجيا بجامعة برمنغهام.
وتُظهر بيانات المفوضية الأوروبية تفاقم الجفاف في وسط وغرب القارة خلال الأسابيع الأخيرة، بينما سجلت بعض أجزاء نهر الدانوب مستويات قياسية من الانخفاض، ما عطل الملاحة في رومانيا وسلوفاكيا وأثر في إنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية.
وتستعد المجر لإيقاف تشغيل محطتها النووية الوحيدة لأول مرة منذ 44 عاماً، إذ ستفقد نحو 40% من قدرتها على توليد الكهرباء وتضطر إلى زيادة واردات الطاقة. كما قررت الحكومة ترشيد استهلاك الكهرباء بإطفاء الإضاءة الزخرفية في بودابست والمباني الحكومية، فيما أسهمت التخفيضات الطوعية لاستهلاك الكهرباء في بعض المصانع في تخفيف الضغط على الشبكة.
وفي رومانيا، تقرر إبقاء قطاع الطاقة في حالة تأهب طوال أغسطس مع انخفاض إنتاج الكهرباء، وقد تضطر السلطات إلى إيقاف مفاعل ثانٍ في محطة تشيرنافودا النووية بسبب انخفاض منسوب مياه نهر الدانوب، وقد تطلب دعم من أوكرانيا المجاورة خلال فترات الذروة.
وأجبرت موجات الحر فرنسا على خفض إنتاج الطاقة من محطاتها النووية، التي تُعتمد على مياه التبريد من أنهار مثل الرون وغارون، وهناك خطر من أن ترتفع درجة حرارة المياه المتدفقة، ما يُهدد الحياة البرية.
في ظل الجفاف المُستمر، ناشدت الحكومة المجرية ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، بعدما أدى ارتفاع الطلب إلى انقطاع مياه الشرب عن آلاف الأشخاص في سينتيندري، شمال العاصمة. وحذر وزير البيئة لازلو غايدوش من أن البلاد قد تواجه ظروفاً شبيهة بالصحراء إذا استمر الوضع على حاله.
وفي إيطاليا، يواصل نهر بو، أطول أنهار البلاد، الانخفاض إلى مستويات تاريخية، ما يهدد الري الزراعي ويزيد من تسرب مياه البحر المالحة إلى دلتا النهر.ومن غير المرجح أن تشهد أنهار أوروبا تحسناً ملحوظاً في أي وقت قريب. وتشير التوقعات، وفقاً لخبراء الأرصاد الجوية، إلى أن درجات الحرارة في جميع أنحاء القارة ستكون أعلى من المعدل الطبيعي بمقدار درجتين إلى ثماني درجات مئوية حتى أوائل أغسطس. وتؤكد نماذج الطقس طويلة المدى استمرار موجات الضغط الجوي المرتفع، مما قد يعني قلة الأمطار اللازمة لإنهاء الجفاف حتى أواخر الخريف.
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


