أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً وصفت فيه حزمة العقوبات الأميركية الجديدة بأنها «إرهاب اقتصادي» و«جريمة ضد الإنسانية»، وطالبت بمحاكمة من أصدرها. والمفارقة أن هذا البيان يصدر عن الدولة نفسها التي تغلق أهم ممر ملاحي في العالم منذ ستة أشهر، وتفرض على السفن العابرة رسوماً بلغت في بعض الحالات نحو مليوني دولار للناقلة الواحدة. فإذا كان تقييد التجارة إرهاباً، فبأي اسم نسمّي إغلاق شريان تمر عبره تجارة العالم؟ الإرهاب، في أبسط تعريفاته، هو استهداف المدنيين أو ترويعهم لانتزاع نتيجة سياسية. وهذا تعريف تقبله طهران حين توجهه إلى غيرها، ولذلك من العدل أن نختبر خطابها بالمعيار نفسه. منذ 28 فبراير، تعرضت دول الخليج لموجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وحتى 9 أبريل، كانت دفاعات دولة الإمارات قد اعترضت 537 صاروخاً باليستياً و2256 طائرة مسيّرة و26 صاروخ كروز، فيما أعلنت وزارة الدفاع سقوط 11 قتيلاً وإصابة 169 شخصاً حتى 26 مارس. وقُصف مصنع الغاز المسال في رأس لفان، وأُغلقت مصفاة رأس تنورة بعد استهدافها. كما أعلنت «أدنوك» تعرض 18 سفينة للهجوم منذ بداية الحرب، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة عشرين آخرين. هذه الدول لم تكن طرفاً في قرار الحرب، ولم تشارك في التخطيط لها أو تنفيذها، ومع ذلك دفعت ثمنها في منشآتها ومطاراتها وموانئها وأرواح مواطنيها. واستهداف دولة محايدة للضغط على طرف ثالث لا يحتاج إلى مبالغة في وصفه، فهو يقوم على المنطق نفسه الذي يقوم عليه الإرهاب: ترويع الأبرياء لفرض نتيجة سياسية.

والأخطر أن الشكوى الإيرانية اليوم ليست من العقوبات فحسب، بل من الإكراه الاقتصادي بوصفه أداة، وهي الأداة نفسها التي تستخدمها طهران في مضيق هرمز. فحين يفرض الحرس الثوري رسوماً على سفن مدنية، تُدفع باليوان أو العملات الرقمية، فإنه يمارس ابتزازاً اقتصادياً لممر دولي. وهذا ما وصفه الموقف الإماراتي الرسمي بأنه «أداة إكراه اقتصادي أو ابتزاز»، وبأنه شكل من أشكال القرصنة وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 2817.

وحين يتراجع عبور المضيق إلى ست سفن تجارية يومياً، مقابل أكثر من 130 سفينة قبل الحرب، فإن المتضرر ليس واشنطن وحدها، بل ناقل الحبوب إلى أفريقيا، ومستورد الوقود في آسيا، والعامل الذي فقد وظيفته بسبب انقطاع الإمدادات.

وحتى لا يكون النقد أعور، يجب الإقرار بأن العقوبات الشاملة تصيب المواطن الإيراني العادي، وتثير إشكالية أخلاقية لا يجوز تجاهلها. كما أن الحصار البحري الأميركي على إيران يمثل بدوره أداة إكراه اقتصادي تستحق المساءلة ولا ينبغي استثناؤها من النقد. لكن ذلك لا يمنح طهران حصانة أخلاقية وهي تستخدم الصواريخ والمسيّرات وإغلاق المضيق وسيلةً للضغط على دول لم تبدأ الحرب. ولعل اللافت أن عبارة «الإرهاب الاقتصادي» ليست جديدة، فقد استخدمتها إيران عام 2018 عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، ثم في 2019 و2025 وأبريل الماضي، وكررتها اليوم بالصياغة ذاتها تقريباً.

وهذا يعني أنها لم تعد تقييماً قانونياً لإجراء محدد، بل أصبحت قالباً خطابياً ثابتاً يعيد تقديم إيران من موقع الفاعل إلى موقع الضحية، ويحوّل نتائج قراراتها إلى مظلمة تطالب الأمم المتحدة بمعالجتها.

أما الدرس الذي يعنينا في الخليج، فهو أن دول المنطقة تُستهدف لا بسبب مواقفها فقط، بل بسبب موقعها، وأن الحياد لا يشتري الأمان. والتفاهم مع إيران يظل ضرورة جغرافية، فهي جارة باقية، لكن التفاهم لا يُبنى من موقع القلق، بل من موقع القدرة على المنع.

وحتى تمتلك دول الخليج ردعاً جماعياً متكاملاً، ودفاعاً جوياً مشتركاً، وإنذاراً مبكراً موحداً، وقدرة خليجية على حماية الملاحة، ستبقى تدفع فاتورة نزاع لا تملك قرار بدايته ولا شروط نهايته. ويبقى السؤال معلقاً: إذا لم يكن إغلاق المضايق وقصف المدنيين وابتزاز التجارة العالمية إرهاباً، فما الإرهاب؟

 

*لواء ركن طيار متقاعد.