العقل أصل ومؤسِّس للمعرفة الدينية، ودليل في إدراك الحقائق وتحديد اليقينيات، والمعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل، فمن خلاله يعرف الإنسان، ويميز، ويستدل، ويحكم، ويرتب درجات الظن واليقين. وعليه تقوم المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وإثبات النبوة، والتصديق بالرسالة، وإدراك حجية الوحي.
فالعقل مقدَّم في رتبة التأسيس، لأنه الأصل الذي ثبتت به حجية النقل، وهذه قاعدة معرفية كبرى. فمعرفة الله سبحانه وتعالى قامت على النظر والاستدلال، والقرآن نفسه يحيل الإنسان إلى هذا الطريق، فيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقد استند ابن رشد إلى هذه الآيات في تقرير وجوب النظر العقلي، وجعل الاعتبار انتقالاً من المعلوم إلى المجهول، ثم قرّر في فصل المقال: «فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي».
بهذا المعنى يصبح العقل مأموراً بالنظر، مؤهلاً للاستدلال، وقادراً على إنتاج المعرفة. وهذه المنزلة تختلف جذرياً عن صورة العقل التي استقرّت في جانبٍ واسعٍ من الخطاب الفقهي المتأخر، عقل تابع للأدلة الحجاجية وليس مستقلاً، عقلٌ جامد يستحضر الأقوال، ويتتبع السوابق، ويبحث عن القياس والأشباه والنظائر، ويقيس الغائب على الشاهد، ويرد الجديد إلى القديم، ثم يتحرك في خطوط رسمتها مدونات فقهية وكلامية نشأت في شروط تاريخية ومعرفية مختلفة عن عالمنا. هذا العقل يواجه كل نازلة بذاكرة الماضي، يستصحب عبارة قديمة، أو قياساً قديماً، ثم يعيد إنتاجه في زمننا المعاصر، ويجعله ملزماً لمجتمعنا وحياتنا، يتعامل مع المنتج التاريخي للعقل والعرف كأنه حدٌّ نهائي لحركة العقل.
العقل الجدير بالاستطلاع والسؤال هو العقل البرهاني، عقلٌ مستقلٌّ في نظره، يستمد أحكامه من المنهج العقلي، ويقوم على مقدمات يقينية تقود إلى نتائج يقينية. وهو عقل حاكم، يفحص الأدلة ويرتب مراتبها، ويقدم القطعي على الظني، ويجعل الحُجة معياراً للقول، والإنسان يستطيع بوساطة العقل أن ينتقل من المحسوسات إلى المعقولات، وأن يصل إلى المعرفة البرهانية، وفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد بنوا فلسفة يكون العقل البرهاني فيها أصلاً معرفياً قائماً بذاته.
المعرفة العقلية الصحيحة والحقيقة التي جاء بها الوحي تنتميان إلى حقيقة واحدة، فالعقل الصحيح يستحيل أن يقود إلى حقيقة تناقض الوحي الصحيح. وإذا ظهر التعارض بين برهان عقلي وبين نص شرعي، نقوم بتأويل النص وحمله على معنى يوافق البرهان، لأن التعارض في هذه الحال يقع في فهم النص ودلالته، واللغة تتسع للحقيقة والمجاز ولوجوه متعددة من المعنى، بينما البرهان الصحيح يفرض سلطته بما انتهى إليه من معرفة.
ويصبح التأويل عندئذ عملاً عقلياً يحفظ انسجام الحقيقة مع الحقيقة. فالعقل سابق على التفسير، والمعرفة الدينية بعقائدها وأصولها كلها خاضعة للنظر العقلي.
وتأتي عبارة فخر الدين الرازي: «العقل أصل النقل» لتضع المسألة في قاعدتها المعرفية، فالعقل هو الطريق الذي منح النقل حجيته ابتداءً. والطعن في سلطة العقل طعن في الأصل الذي قامت عليه حجية النقل نفسها.
ويمتد هذا الأصل إلى خبر الآحاد، فهو يفيد الظن عند جمهور الأصوليين، ولذلك يُقدَّم المعطي العقلي اليقيني على خبر الآحاد عند التعارض. وقد وردت أخبار آحاد يصادم ظاهرها العقل أو الحقائق العلمية المستقرة، ومع ذلك يتمسك بعض الخطاب الديني بظاهر الرواية، فيصبح العقل والعلم في موضع الاتهام دفاعاً عن خبر ظني. وهذا خلط لمراتب المعرفة، إذ تُرفع الرواية الظنية إلى مرتبة تعارض العقل اليقيني والعلم الثابت، مع أن العقل أصل، واليقين أعلى مرتبة من الظن.
أما ردُّ العلم الثابت من أجل فهم باطني للنص، أو رواية ظنية، أو تصور تشكّل في بيئة معرفية قديمة، فهو يعني اختلالاً في تقدير مراتب المعرفة. فالعلم الثابت حقيقة، ولا يتصور أن تُهدر حقيقة ثابتة من أجل تفسير قديم أو تأويل بشري قابل للمراجعة.
وتظهر أزمة الخطاب الديني المعاصر حين تتقدم الرواية الظنية التأويلات الموروثة على العقل والعلم، فتضعف سلطة العقل، ويتراجع الاجتهاد، ويصبح استحضار الأقوال والقياسات الفقهية بديلاً عن النظر والبرهان. ومع هذا المسار تتسع سلطة الموروث، ويضيق مجال التفكر، وتبقى المعرفة الدينية أسيرة حدود معرفية رسمتها اجتهادات بشرية في سياقات تاريخية سابقة
عقلنة الخطاب الديني تعني إعادة ترتيب السلطة المعرفية داخله: العقل أصل والبرهان حُجة، والتراث منتج، يحتمل الصحة والخطأ، أما الحق فلا يُضادُّ الحق، بل يوافقه ويشهد له.


*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.