واجهت المحكمة الجنائية الدولية خلال ربع القرن الأول من تأسيسها مجموعة كبيرة من القضايا المعقدة والبارزة. لكن التحدي الذي تواجهه حالياً قد يكون الأكبر. فمع تحول تركيزها خلال السنوات الأخيرة من الساسة الأفارقة إلى بعض أقوى قادة العالم، بات بقاؤها نفسه موضع تساؤل.
ولم تُخفِ الولايات المتحدة معارضتها للمحكمة، التي تتخذ من لاهاي مقراً لها. فقد أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو في يوليو الماضي عن إطلاق الولايات المتحدة حملة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، ما أثار ترحيباً حاراً من بعض الجهات، ومخاوف عميقة من جهات أخرى.
ويرى مؤيدو الولايات المتحدة أن المحكمة تحولت إلى ساحة للمعادين لإسرائيل، لاسيما بعدما أثارت ملاحقتها لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مخاوف في أوساط السياسة الخارجية المحافظة بما يشمل داخل البيت الأبيض.
وتضمنت المخاوف أن تُقرر محكمة غير خاضعة للرقابة توجيه اتهامات جنائية للرئيس الأميركي دونالد ترامب بارتكاب جرائم حرب، فيما يتعلق بغارات القوارب التي استهدفت مهربي مخدرات مشتبه بهم في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.
وفي المقابل، يصف مُعارضو هذه الحملة بأنها نكوص لالتزام الولايات المتحدة بالعدالة الدولية منذ محاكمات نورمبرغ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ويُحذرون من أنها تُنذر بمناخ دولي مُظلم حيث لا تخشى الأنظمة الإجرامية وكبار مسؤوليها أي عواقب على فظائعهم.
وتقول جينيفر تراهان، مديرة القانون الدولي وحقوق الإنسان في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك: إن واشنطن تدير ظهرها لـ80 عاماً من دعم مؤسسات العدالة الدولية، فيما يعتبر إعلان منها بأن أسوأ المجرمين في العالم يجب أن يفلتوا من العقاب.
وتضم المحكمة 125 دولة، وقد تأسست عام 2002 باعتبارها «محكمة الملاذ الأخير» للتحقيق في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان ومحاكمة مرتكبيها.
ولم تنضم الولايات المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية قط، بل كانت تشكك بها منذ تأسيسها. وبعد شهرين من إنشائها، أقر الكونجرس ما يعرف باسم «قانون غزو لاهاي»، الذي يمنح الرئيس صلاحية استخدام أي وسيلة لتحرير مواطنين أميركيين أو حلفاء من احتجاز المحكمة. ولا يزال هذا القانون سارياً.
لكن الموقف الأميركي لم يكن دائماً بهذه المواجهة. فمن أواخر الولاية الثانية لجورج دبليو بوش وحتى تولي ترامب الرئاسة للمرة الأولى، دعمت واشنطن تحقيقات المحكمة وقضاياها، بما فيها قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير بشأن الإبادة الجماعية في دارفور. كما مولت القضية ضد الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، الذي أُدين عام 2012 بجرائم شملت جرائم الحرب وتجنيد الأطفال.
وتغير موقف واشنطن عندما وسعت المحكمة نطاق عملها من أفريقيا إلى الشرق الأوسط ونزاعات كانت الولايات المتحدة طرفاً فيها، مثل حرب أفغانستان. وقال أوردي كيتري، أستاذ القانون الدولي والمفاوضات الدولية في جامعة ولاية أريزونا، إن المحكمة وسعت نطاق اختصاصها ليشمل دولاً غير أعضاء، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما لم تكن واشنطن مستعدة لقبوله.
وخلال إدارة ترامب الأولى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المدعي العام للمحكمة آنذاك وكبيرة موظفيه بسبب استعداد المحكمة للتحقيق في جرائم حرب مزعومة في أفغانستان. وكان مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون قد أعلن أن الهدف النهائي هو تفكيك المحكمة.
وتواصل إدارة ترامب الحالية النهج نفسه. ففي أغسطس الماضي، فرضت وزارة الخارجية عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني، من اليابان، والمحامي البارز في فريق الادعاء عبد الله سي، من السنغال، بسبب مشاركتهما في تحقيقات المحكمة بشأن الحرب الإسرائيلية في غزة. وكانت واشنطن قد فرضت قبل ذلك عقوبات على المدعي العام السابق كريم خان، بعد إصداره مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
لكن الجديد في الحملة الحالية هو سعي الإدارة إلى «تعطيل قدرة المحكمة على العمل» عبر إقناع الدول الأعضاء بالانسحاب ووقف تمويلها. وقد أعلنت فنزويلا بالفعل نيتها الانسحاب. ويرى منتقدون أن الضغط الأميركي على الدول الأعضاء يثير قلقاً بالغاً، إذ قد لا تعرف المحكمة والدول الأخرى بما يجري إلا بعد فوات الأوان.
لكن البروفيسور كيتري، وهو أيضاً زميل بارز بمؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن»، يرى أن فرص نجاح حملة تفكيك المحكمة الجنائية الدولية محدودة. ويشير إلى أن الدول الصغيرة التي قد تتمكن الولايات المتحدة من التأثير عليها لا تساهم إلا بقدر ضئيل في ميزانية المحكمة، بينما من غير المرجح أن ترضخ الدول الكبرى التي تتحمل الجزء الأكبر من تمويلها، وعلى رأسها اليابان التي تساهم بنحو نصف الميزانية، للضغوط الأميركية.
ويصف كيتري المحكمة الجنائية الدولية بأنها «مؤسسة معيبة للغاية»، لكنه يرى أن الأفضل لواشنطن هو العمل مع حلفائها على إصلاحها. ومع ذلك، تظل مخاوف ترامب من تعرضه للملاحقة الدولية بسبب الضربات الأميركية على القوارب التي يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات عقبة أساسية. ويقر كيتري بإمكانية إجراء إصلاحات في المحكمة، لكنه لا يرى أنها ستمنح ترامب «كل ما يريده».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
كاتب متخصص في السياسة الخارجية الأميركية والصراعات الدولية.


