بنهاية هذا الأسبوع يكون قد مضى 25 عاماً على أحداث 11 سبتمبر، الحدث الإرهابي الذي قلب العالم رأساً على عقب. ورغم مرور كل هذا الوقت على تلك اللحظة الفارقة، إلا أن تداعياتها مازالت حاضرة في السياسة العالمية، والاقتصاد، والأمن. في صبيحة ذلك اليوم من عام 2001 فوجئتْ الولايات المتحدة، ومِن خلفها العالم، بالفضائيات تنقل بثاً مباشراً لهجوم غير مسبوق على مواقع أميركية، لتهتز أركانُ العالم ويصبح هذا الحدث نقطةً فاصلةً في التاريخ، يختلف ما جاء بعده عما كان قبله.
وأدت الهجمات إلى مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، حين قام خاطفون ينتمون إلى تنظيم «القاعدة» بصدم طائرتين مدنيتين ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وطائرة ثالثة بمبنى البنتاغون قرب واشنطن، بينما تحطمت طائرة رابعة في حقل بولاية بنسلفانيا.
ومنذ وقعت تلك الاعتداءات، خاضت أميركا حرباً ضروساً على عدة جبهات، في محاولة للثأر واستعادة كبريائها كدولة عظمى اختل توازنها جراء عدوان استهدف أراضيها لأول مرة في التاريخ، (حينما وقع العدوان على بيرل هاربر لم تكن هاواي آنذاك ولاية أميركية).
تحركت واشنطن فوراً لضرب أفغانستان الخاضعة لحكم حركة «طالبان»، ثم تبعتها بالقضاء على نظام صدام في العراق، وتُواصل اليوم خوضَ حرب أكثر شراسةً ضد إيران. بيد أن محصّلة معارك أميركا كانت قبض ريح، فقد عادت «طالبان» من جديد للحكم في كابول، أما العراق فغاص في بحر من الفوضى وبات رهين المحاصصة والطائفية.
تداعيات 11 سبتمبر لم تقتصر على الجانب السياسي والعسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد بتكلفة هائلة، فالخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة تُقدَّر بتريليونات الدولارات، حيث بلغت نفقات الأمن الداخلي والإنفاق الدفاعي والاستخباراتي المرتبط بالهجمات 675 مليار دولار حتى عام 2019.
وتبدو أميركا اليوم، مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتجاوز ديونها حجمَ الأربعين تريليون دولار، أقرب من أي وقت مضى في طريقها للانسحاب والخروج من الجغرافيا وإعادة التموضع، وتسعى بوضوح لتقليص حضورها في حلف «الناتو» مع توجيه الدعوة لحلفائها الأوروبيين للقيام بدور أكبر ومشاركة أوسع.
لا شك في أن واشنطن بحاجة إلى مراجعة سياساتها، لتكتشف بنفسها أنها لم تحقق أهدافَ الحروب التي خاضتها، بل ربما زادت الأمر سوءاً، إذ يؤكد الواقع أن الجماعات الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش»، لا تزال نشطة في أجزاء عديدة من العالم، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي والشرق الأوسط.
وهنا تكمن إحدى مفارقات مرحلة ما بعد سبتمبر، فالحرب التي شُنت تحت شعار مكافحة الإرهاب ساهمت، بصورة غير مباشرة، في تمدده وانتشاره على الخريطة الدولية. فالإرهاب لا يمكن القضاء عليه بالقوة العسكرية وحدها، والرد بالقوة المفرطة قد يضر أكثر مما ينفع، ومكافحة الإرهاب تحتاج إلى معالجة جذوره الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتجفيف منابعه ومصادر تمويله، والحيلولة دون استخدام الاضطرابات والصراعات وقوداً للتطرف.
ومن العجيب، أنه في هذا الموعد من كل عام، يتجدد الحديث عما جرى في ذلك اليوم، ليكشف الإعلام الأميركي فصولاً جديدة من دراما 11 سبتمبر، والتي ظل العديدُ من أسرارها لغزاً إلى يومنا هذا، وما زالت تسريباتُ تفاصيلها تثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات عما حدث، وكيف تم التخطيط له؟
ومن العجائب، أنه رغم التطور العلمي والتقني المذهل، فإن 1100 (قرابة 40% من إجمالي الضحايا)، لم يتم التعرف عليهم حتى الآن، والأعجب أن محاكمة المجرمين لم تبدأ بعد، وقد تقرر لها تاريخ 5 يونيو 2028، حيث انتظرت أسر الضحايا كل هذه السنوات لأجل تحقيق العدالة والقصاص لدماء ذويهم.
ويتواصل مسلسل العجائب بالإشارة إلى الضحايا المنسيين الذين تم تجاهلهم عن عمد، حيث تشير الوثائق الرسمية إلى أن بين ضحايا الحادث الإرهابي 59 مسلماً قُتلوا على يد الإرهاب، كما تعرّض ملايين المسلمين في الولايات المتحدة والعالم لتبعات سياسية وأمنية واجتماعية بسبب الجريمة نفسها.
وبكل يقين، لا سبيل أمام المجتمع الدولي لمحاصرة الإرهاب إلا عبر الاستجابة العاقلة لدعوة التعايش والتسامح، من خلال «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب والحبر الأعظم قداسة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان برعاية أبوظبي وقيادتها الرشيدة في فبراير 2019. ولتتحد البشرية ضد مَن يلحق الضرر بمجتمعاتنا، ولنعمل سوياً على جعل هذا العالَم مكاناً أكثر أماناً للجميع، دون تمييز بسبب عرق أو ديانة.


