هل تعرضت الجماهير العربية والإسلامية بصورة ممنهجة ومدروسة لأكبر عملية غسيل أدمغة جماعي في التاريخ الحديث؟ الأراضي سُلبت والملايين شُردوا والآلاف قُتلوا بينما الجماهير تهتف لـ«المقاومة»، وكأن هذه الأخيرة لم تكن تعلم أن ما تعرض له الشعب الأعزل من كوارث وويلات، لا ذنب له فيها، سوف يحدث بسبب تصرفات «المقاومة» نفسها! نحن هنا نتحدث عمن كان يعيش حياة الترف ويعلم يقيناً بالمخرجات والخطط واتفق وعقد الصفقات خلف الكواليس.
قبل السابع من أكتوبر 2023 لم يكن الجيش الإسرائيلي منتشراً بصورة دائمة داخل قطاع غزة الذي انسحب منه بالكامل عام 2005. لكن جاءت عملية «حماس»، وكانت النتيجة الاستراتيجية الأهم ليست تحرير مستوطنة أو فتح ميناء أو إنهاء الحصار، بل عودة القوات الإسرائيلية إلى عمق غزة والسيطرة في مايو 2024 على محور فيلادلفيا الممتد قرابة 14 كيلومتراً بمحاذاة مصر، وهو شريان استراتيجي مرتبط بمعبر رفح وحدود القطاع الجنوبية. ثم أصبحت ممرات السيطرة العسكرية داخل غزة نفسها جزءاً من معادلة الحرب والتفاوض.
ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 26 يونيو 2026، كانت المنطقة الصفراء التي بقيت فيها القوات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار تغطي نحو 53% من القطاع، بينما وصلت مناطق تقييد الوصول الأشد بحلول يونيو إلى نحو 65% من مساحة القطاع، مع منع الوصول إلى البحر. وذكرت الأمم المتحدة أن خط القيود الأوسع وضع 64.9% من القطاع تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة وشديدة.. فهل نشكر «حماس» والدولة التي تقف خلفها وهما تعلمان يقينياً أن تصرفاتهما، سوف يؤدي إلى فقد دائم لما تبقى من فلسطين؟ أي أن عملية بدأت تحت عنوان تحرير فلسطين انتهت، عند قياسها جغرافياً، بتقلص المجال المتاح للفلسطينيين حتى داخل قطاع غزة الصغير نفسه!
وفي لبنان، يوم 8 أكتوبر 2023، فتح «حزب الله» جبهة إسناد لـ«حماس». والسؤال الاستراتيجي ليس هل أصابت الصواريخُ إسرائيلَ؟ بل: ماذا استفاد لبنانُ في المقابل؟ وهل تحررت مزارعُ شبعا؟ وهل استُعيد شمال الغجر؟ وهل تراجعت إسرائيل متراً واحداً؟ النتيجة جاءت عكس ذلك تماماً.
مجلس الأمن الدولي طالب إسرائيل عام 2025 بالانسحاب من خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، وبإزالة مناطق عازلة شمال الخط الأزرق. وفي مارس 2026 أكدت «اليونيفيل» أن الجيش الإسرائيلي ما زال يحتفظ بخمسة مواقع ومنطقتين عازلتين داخل لبنان. وهنا يبرز السؤالُ القاسي والمشروع: إذا بدأت الحرب وإسرائيل جنوب الخط الأزرق، ثم انتهت بوجودها في مواقع داخل لبنان وبمناطق عازلة، فمن الذي حسّن موقفَه العسكري؟ الأمر نفسه يَظهر بصورة أكثر وضوحاً في سوريا. لعقود قُدِّم الوجود الإيراني والجماعات المرتبطة به على أنه «محور مقاومة» هدفه مواجهة إسرائيل وتحرير الجولان. لكن بعد انهيار النظام السابق، في ديسمبر 2024، لم تتقدم قوى المحور نحو الجولان، بل تقدم الجيش الإسرائيلي، فسيطر على جبل الشيخ ومواقع داخل منطقة الفصل. وبحلول مايو 2025، وفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، كانت القواتُ الإسرائيلية قد عززت عشرةَ مواقع عسكرية داخل منطقة الفصل وموقعين في المنطقة المجاورة، مع تقييد وصول المزارعين السوريين إلى أراضيهم. كما نقل التقرير تصريحات إسرائيلية عن البقاء في قمة جبل الشيخ و«المنطقة الأمنية» لفترة غير محددة. وأكدت الأمم المتحدة لاحقاً أن إسرائيل ظلّت تحتل منطقةَ الفصل حتى 31 يوليو 2025، محذِّرةً من أن الوقائع على الأرض التي تنشأ بهذه الطريقة يَصعب عكسها. وجبل الشيخ ليس قطعة أرض هامشية، بل هو ارتفاعٌ حاكمٌ عسكرياً وموقعُ مراقبة بالغ الأهمية في عقدة جغرافية بين سوريا ولبنان والجولان. لذا فالقضية ليست عدد الكيلومترات فقط، وإنما قيمة الكيلومترات التي فُقدت.
وهنا تظهر المشكلةُ الحقيقية في عقيدة «المقاومة»: لقد جرى استبدال مفهوم حماية الأرض بمفهوم إطلاق النار، وأصبح إطلاق الصاروخ في ذاته دليلاً على المقاومة، حتى لو انتهت العملية بخسارة أرض جديدة. بينما في العلم العسكري، لا تقاس الاستراتيجية بعدد الضربات، بل بقدرتها على تحقيق الغاية السياسية النهائية. والتحليل الاستراتيجي لا يحتاج إلى إثبات المؤامرة حتى يصدر حكماً على النتيجة. إذا كررت القيادةُ الفعلَ نفسَه وهي تعرف قدرةَ الخصم، وطبيعةَ رده، واختلالَ ميزان القوة معه، ثم انتهت كل مرة تقريباً إلى إضعاف الدولة التي تعمل منها وتحسين البيئة العملياتية للخصم، فالسؤال ينتقل من النوايا إلى المسؤولية الاستراتيجية. وهنا تقع الخدعة الأكبر: لقد جرى إقناع الجمهور العربي بأن المقاومة تقاس بقدرة التنظيم على البقاء، لا بقدرة الوطن على البقاء. وعندها يصبح السؤال الذي سيطرحه التاريخ أشد قسوة من سؤال الخيانة: إذا كانت إسرائيل هي التي حصلت على الأرض، والممرات، والمرتفعات، والمناطق الأمنية، بينما حصل العرب على الدمار والنزوح وشعار الصمود، فمن كان، في ميزان النتائج لا النوايا، المستفيد الحقيقي من هذه «المقاومة»؟ وهل كان وجودها مصادفة؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات


