تكتسب زيارة الدولة التاريخية التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا أهمية بالغة، لتزامنها مع تعقيدات دولية وإقليمية متسارعة. فالشرق الأوسط يشهد مواجهة أميركية إيرانية مستمرة، وأصبح مضيق هرمز في صدارة حسابات الأمن والطاقة، فيما تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أشد انسداداً، وتبحث أوروبا عن شراكات أكثر قدرة على دعم أمنها الاقتصادي واستقرار سلاسل الإمداد.
ويجعل التوقيت أبعاد الزيارة السياسية والاقتصادية حاضرة في قراءة العلاقة بين أبوظبي وبرلين. ويضيف المستوى البروتوكولي للزيارة وزناً إلى توقيتها، إذ تُعد زيارة الدولة أعلى درجات التواصل بين رؤساء الدول في ألمانيا. وفي الدبلوماسية الألمانية، تعكس زيارات الدولة مقدار الثقة السياسية بين الطرفين، وتكمن أهميتها في ما يمكن أن تؤسّس له العلاقة مستقبلاً. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، تطورت العلاقات الإماراتية الألمانية إلى شراكة استراتيجية أُعلنت في أبريل 2004، واتفق البلدان في 2019 على جعلها أشمل، قبل توقيع اتفاقية تسريع أمن الطاقة والنمو الصناعي في 2022.
وخلال العام الجاري، زار المستشار فريدريش ميرتس أبوظبي في فبراير، ثم التقى الزعيمان مجدداً على هامش قمة مجموعة السبع التي استضافتها إيفيان الفرنسية في يونيو الماضي، لتأتي زيارة الدولة إلى ألمانيا وتؤكد كثافة التواصل على أعلى مستوى.
ويعكس توالي اللقاءات المكانة المتقدمة للعلاقة لدى البلدين، ورغبة متبادلة في البناء على ما تحقق وفتح مجالات أوسع للشراكة. ألمانيا أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وقوة صناعية وتكنولوجية مؤثرة في صياغة السياسات الأوروبية. وبرلين تعيد النظر في أمن الطاقة وتنافسية الصناعة وقدرتها على التكيف مع تداعيات الحرب في أوكرانيا والتحولات المتسارعة، التي تقودها التكنولوجيا عالمياً. الإمارات تدخل المعادلة بما تملكه من استثمار وطاقة وبنية تحتية واتصال بالأسواق واستقرار مؤسسي. الحضور الألماني في الإمارات يعكس بدوره حجم المصالح القائمة.
فنحو ألفي شركة ألمانية تعمل في الدولة، فيما ارتفعت التجارة غير النفطية بنحو 14.5% خلال عام واحد لتبلغ 15.56 مليار دولار في 2025. كما يتيح السوق الإماراتي للشركات الألمانية قاعدة للتوسع نحو الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، في وقت تبحث فيه الصناعة الأوروبية عن فرص نمو وشراكات خارج نطاقها التقليدي. وتتركز أبرز الفرص في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والصناعة المتقدمة، إلى جانب قطاع الطاقة الذي يجمع بين احتياجات الحاضر في الغاز وأمن الإمدادات، ومجالات المستقبل في الهيدروجين والطاقة النظيفة.
وفيها تلتقي الخبرة الهندسية والبحثية الألمانية مع رأس المال والقدرة التنفيذية الإماراتية، ويرتبط نجاح الزيارة بما ستسفر عنه من استثمارات ومشاريع اقتصادية طويلة الأجل. وكانت برلين من أولى العواصم التي تواصلت مع الإمارات خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة، بما عكس سرعة تفاعل حكومة المستشار ميرتس واهتمامها بأمن الخليج واستقراره. ويتزامن ذلك مع دور إماراتي فاعل عالمياً، ويفتح المجال لتنشيط قنوات التنسيق مع ألمانيا في القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط وأوروبا. كما تمنح شبكة علاقات أبوظبي مع قوى مؤثرة بعداً سياسياً إضافياً، إذ أصبح الحوار مع أطراف مختلفة جزءاً أساسياً من إدارة المصالح الدولية.
العلاقة مع ألمانيا تحمل بعداً مهماً بحكم تأثير برلين في سياسات الاتحاد الأوروبي. وتعميق التعاون معها يعزّز صلة الإمارات بأحد أهم مراكز صنع القرار في القارة، خصوصاً في مرحلة يعاد فيها ترتيب أولوياتها.
ويكرّس ذلك موقع أبوظبي كشريك موثوق في قضايا الاقتصاد والأمن والاستقرار. ترجمة التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى نتائج ملموسة في القطاعين الحكومي والخاص ستدفع العلاقة إلى مستوى مختلف. زيارة الدولة يمكن أن تكون تتويجاً لخمسين عاماً من الشراكة، أو نقطة انطلاق لمسار أكثر ارتباطاً بأوروبا واقتصاد المستقبل والتحولات التي يعاد معها تشكيل موازين القوة والمصالح.
*كاتب إماراتي


