يوم أمس بدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، زيارة دولة إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، محمولةً على أجندةٍ تتضمن الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي، ومحاطةً بلغة الشراكة الاستراتيجية ومصالح البلدين المتبادلة. تحت هذا يجري تيار أعمق، يغيب عن البيانات ويحضر عند من يقرأ التاريخ قراءةً ثانية: تيار المعنى. فالأمم تتبادل السلع، وتتبادل معها - عن وعي حيناً وعن غفلة أحياناً - مناهج في التفكير وتصوّرات عن الإنسان.
أمام ألمانيا يقف الباحث في تاريخ الأفكار حائراً أمام مفارقة نادرة. ففي مطلع القرن التاسع عشر كانت البلاد أشتاتاً من الدويلات والدوقيّات، مهزومةً أمام نابليون، متأخرة صناعياً عن جارتيها إنجلترا وفرنسا، ومع ذلك خرج من ترابها، في نصف قرن واحد، كانط وهيغل ويوهان فيشته وشيلينغ وشلايرماخر. من أين جاء هذا الفائض الفلسفي في زمن العجز السياسي؟
يُغري الجواب بالحديث عن «عبقرية ألمانية»، وهي مقولة تسقط عند أول امتحان. الجواب الرصين يقيم في الهندسة المؤسسية: جامعة برلين التي أسّسها فلهلم فون هومبولت سنة 1810 على مبدأ وحدة البحث والتدريس، ونظام الحلقة الدراسية الذي نقل الفلسفة من الخطابة إلى الحرفة المنهجية، وفقه اللغة الذي صنع النقد التاريخي، ومفهوم «التكوين» الذي جعل غاية التعليم بناء الإنسان قبل تأهيله لسوق العمل. صارت الفلسفة هناك بنيةً تحتيةً قبل أن تصير نصوصاً.
ومن هذا الباب يدخل كانط. حين سُئل عن التنوير أجاب بأنه خروج الإنسان من قصورٍ اقترفه بحقّ نفسه، وأوجز الوصفة في كلمتين: تجرّأ على استعمال عقلك. غير أن الرجل ربط هذه الجرأة بشرطٍ مدني دقيق، هو أن تضمن الدولة للعقل حريته ونشاطه ضمن نظام مستقر، وأن تكون حاضنة لأي حراك فكري وفلسفي. تزدهر الفلسفة، إذاً، في كنف دولةٍ راشدة، وتذبل حيث تغيب الدولة ومؤسساتها.
ومن رحم هذه الجامعة وُلد عِلمٌ آخر ندين له بالكثير، هو علم التأويل. أرسى شلايرماخر قواعده، ووسّعه دلتاي في العلوم الإنسانية، وأنضجه غادامير حين قرّر أن الفهم يقوم على «اندماج الآفاق» بين أفق النص وأفق قارئه، وأن التراث كائنٌ حي يتجدّد مع كل قراءةٍ جديدة. مثل هذه الأداة تفتح أمام الفكر العربي طريقاً إلى تراثه غيرَ طريق التقديس الجامد والقطيعة الغاضبة، طريقاً ثالثاً يقرأ الماضي بوصفه أفقاً مفتوحاً واجتهاداً بشرياً يستحق الحوار.
وللعلاقة بيننا وبين ألمانيا وجهٌ آخر يستحقّ الوفاء. حين انصرف العرب عن تراثهم العلمي، انصرف إليه علماء ألمان أفنوا أعمارهم في فهرسته وتحقيقه: كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، وهلموت ريتر في التصوّف، وأنيماري شيمل في الشعر الروحي، وفؤاد سزكين الذي أسّس معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة غوته بفرانكفورت سنة 1982، وجمع فيه مئات من نماذج الأجهزة والخرائط التي ابتكرها علماؤنا. ذاكرتُنا العلمية حُفظت، في شطرٍ منها، بأيدٍ ألمانية.
يبقى الدرس الأخير عند ماكس فيبر، وهو أمسُّ الدروس بحاضرنا. ميّز الرجل بين «أخلاق المبدأ» التي تتشبّث بنقاء القصد وتترك العواقب للأقدار، و«أخلاق المسؤولية» التي تزن النتائج وتحتمل تبعاتها. في هذا التمييز مفتاحٌ لفهم النزعات المتطرفة التي تستمدّ يقينها من طهارة الغاية وحدها، ومفتاحٌ لفهم رشد الدولة التي تقيس خطواتها بميزان الأثر.
وحين تُطوى صفحة الزيارة وتُوقَّع مذكرات التفاهم، يبقى السؤال الذي يَعني المفكرين وحدهم تقريباً: ماذا نأخذ عن أمّة صنعت مجدها من دروس هزائمها؟ الجواب يقيم في التفاصيل التي تغفلها البروتوكولات: جامعة تُعلّم السؤال قبل الجواب، ودار ترجمة تنقل المعارف، ومعهد يحفظ الأثر، ومجلس بحثٍ يمنح العالِم وقتَه وطمأنينته. فالشراكة بين العاصمتين أبوظبي وبرلين تُقاس بما تضيفه إلى وعي الإنسان بذاته وبالعالم، وبما تفتحه من آفاقٍ يتعارف فيها الشرق والغرب على أرضٍ واحدة: التنوير وكرامة الإنسان.
*كاتب إماراتي


