من الشائع القول إننا نعيش في عصرنا الحالي حالةً مكررةً من الهوس بالسكك الحديدية في القرن الـ19، أو طفرة الكهرباء في عشرينيات القرن الماضي، أو فقاعةً الإنترنت في أوائل الألفية الثالثة. وقد شاعت بين المحللين مقارنةُ المبالغ الطائلة التي تنفقها شركاتُ الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية بتطبيقات التقنيات التحويلية السابقة.
غير أن الانشغال بالذكاء الاصطناعي قد يكون فريداً من نوعه. ولا تعتبر المقارنات بالماضي خاطئةً بالضرورة، فإذا لم تتعلم البشرية من التاريخ، فلا جدوى من دراسته. وتحمل الطفرات التكنولوجية في العصور الماضية بعضَ أوجه التشابه اللافتة، إذ تنفق الولاياتُ المتحدةُ حالياً قرابةَ 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. ورغم أن البيانات غير دقيقة، فإن هذا الرقم يقارب حجم فقاعة السكك الحديدية في ذروتها. وبالمثل، أثارت كهربة الاقتصاد وبداية الإنترنت موجاتٍ مماثلة من الاهتمام. وحتى بنك التسويات الدولية، وهو بنك البنوك المركزية الذي يُعرف عادةً بتحفظه مقارنةً بالبنوك المركزية، أشار إلى بعض أوجه التشابه بين هذه الموجة وموجات الاهتمام الاستثماري السابقة.
وقد مرّت الولايات المتحدة بهذه الدورة من قبل، مما يُقدم مؤشراً حول مآل هذه المرحلة. لكنَّ بعضَ عناصر هذه الطفرة غير مسبوقة في عدة جوانب، أولها أن التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي يعتبر أميركياً بالكامل تقريباً، مع بعض المنافسة من جانب الصين. وكانت أغلب طفرات الاستثمار السابقة عالمية، وكانت بريطانيا رائدةً في إنشاء السكك الحديدية، وكانت جميع الدول المتقدمة تقريباً تُسرع في مدّ خطوطها. وبالمثل، قامت العديد من الدول بإنشاء البنية التحتية للكهرباء في نفس الوقت الذي فعلت فيه الولايات المتحدة ذلك، بل كانت أولى أعمدة الإنارة الكهربائية في نيوكاسل شمال إنجلترا. أما في طفرة الذكاء الاصطناعي، فيتركز الفعل بالكامل تقريباً في دولة واحدة ونظام مالي واحد. ثانياً، تحدث طفرة الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة. فقد استغرق الأمرُ أربعةَ عقود، منذ افتتاح أول خط للركاب في الولايات المتحدة، وهو خط سكة حديد بالتيمور وأوهايو عام 1830، حتى اكتمال أول خط سكة حديد عابر للقارة عام 1869.
وكانت العملية بطيئة، مما أتاح وقتاً كافياً لرواد الأعمال لمعرفة نماذج أعمالهم، وللبنوك للتحكم في ميزانياتها العمومية، وللحكومة للتفكير في وضع القواعد التنظيمية. وعلى النقيض، حدث التوسع في الذكاء الاصطناعي خلال أقل من خمس سنوات. وإذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي والمستثمرون يرتكبون أخطاء بشكل شبه مؤكد، فلا أحد يملك الوقتَ الكافي لاكتشافها، ناهيك عن إصلاحها.وأخيراً، خلقت فترات الطفرات السابقة وظائف أكثر بكثير مما دمرته. فقد وظفت صناعة السكك الحديدية في ذروتها عام 1916 نحو 1.6 مليون شخص.
ورغم أنها كانت فترة عصيبة للعمل في مجال النقل بالعربات، وبدأ الطلب على السروج بالتراجع، فإنها لم تشهد «كارثة وظائف السكك الحديدية»، بينما يُقدر بنك «غولدمان ساكس» أن الذكاء الاصطناعي قد يحل محل قرابة عُشر القوى العاملة الأميركية. وإضافة إلى ذلك التوقع، تبدو أوجه التشابه بين الطفرات التقنية باعثة على الاطمئنان، إذ تشير كتب التاريخ إلى أنه رغم الضجة الكبيرة التي أحاطت بالسكك الحديدية والكهرباء والإنترنت، فإنها كانت أيضاً تقنيات مهمة حققت أرباحاً طائلة وأسهمت في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية بكثير. صحيح أن البعض تكبد خسائر، وربما انهارت بعض البنوك، لكن الأمر انتهى إلى الأفضل رغم المصاعب التي صاحبت تلك التحولات.
إنها، في جوهرها، قصة تبعث على الاطمئنان.إلا أن الولايات المتحدة لم تشهد طفرةً مثل هذه من قبل، كما أن الاقتصاد العالمي لا يملك خبرةً حقيقية بالتعامل مع استثمار هذا الكم الهائل من الأموال في بلد واحد، بهذه السرعة وبهذا الحجم، مع احتمال أن تؤدي هذه الطفرة إلى تدمير هذا العدد الكبير من الوظائف ذات الأجور المرتفعة. ومع ذلك فالأمر قد ينتهي على خير، وهذا ما نأمله.
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


