تتراجع حصة العمال من الدخل القومي الأميركي بوتيرة متسارعة، لكننا لا نعرف السبب على وجه الدقة، إذ يحصل العمال على حصة متضائلة باستمرار من دخل الاقتصاد، وهي الحصة التي يُطلق عليها الاقتصاديون «حصة العمل». وقد تسارع انخفاضها في السنوات الأخيرة، لتصل الآن إلى أدنى مستوى مسجل، عند نحو 53% من الدخل، مقارنة بنحو 65% بعد الحرب العالمية الثانية.
ويُلقي العديدُ من صناع السياسات باللوم على تركز الصناعات وجشع الشركات في كبح أجور العمال. وبالفعل، لم يعد هناك سوى ثلاث شركات كبرى للاتصالات اللاسلكية وأربع شركات طيران رئيسية، بينما تهيمن «جوجل» على سوق البحث. كما وصلت أرباح الشركات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى قياسي. وكلما ارتفعت حصة الدخل التي تذهب إلى رأس المال، في صورة فوائد وإيجارات وأرباح وتوزيعات أرباح، انخفضت «حصة العمل» بالضرورة.
وبناءً على هذا التفسير، يبدو الحل واضحاً، حيث يكمن في تفكيك الشركات الكبرى، لاسيما شركات التكنولوجيا. ويدعو إلى ذلك كل من السيناتورين بيرني ساندرز وإليزابيث وارن من اليسار، والسيناتور جوش هاولي ونائب الرئيس جيه دي فانس من اليمين. كما تكثّف أوروبا واليابان وبريطانيا جهودَها لمكافحة الاحتكار وتعزيز المنافسة.
لكن قد لا يكون هذا هو الحل الصحيح، لأن التكنولوجيا الجديدة هي على الأرجح العامل الأهم في تقليص حصة العمالة، وليس تزايد قوة السوق. ولن يُسهم تفكيك الشركات الكبرى في استعادة حصة العمالة، بل قد لا يُفيد العمالَ على الإطلاق. ويتطلب وضع السياسات المناسبة فهم السبب الحقيقي.
قبل أكثر من عقد، تم توثيق انخفاض عالمي في حصة العمل، وظهر التراجع في الولايات المتحدة ومعظم الاقتصادات التي شملتها الدراسة، ومنها ألمانيا واليابان، حيث كانت النقابات وقوانين العمل قوية، بالإضافة إلى الصين والهند. ولأن الانخفاض كان أكبر في البلدان التي تراجعت فيها أسعار معدات الحوسبة والاتصالات أكثر، خلصنا إلى أن استبدال العمال بالآلات، أي إحلال رأس المال محل العمل، كان عاملا رئيسياً.
وكانت هذه النتيجة مثيرةً للجدل في تلك الفترة، لأن النماذج الاقتصادية التقليدية كانت تتعامل مع استقرار حصة العمل باعتباره أمراً طبيعياً. وقد وصف جون ماينارد كينز هذا الاستقرار في وقت سابق بأنه بمثابة «معجزة».
ومنذ ذلك الحين، ظهرت تفسيرات أخرى للتراجع، منها ارتفاع أسعار المساكن وزيادة إيرادات الإيجارات، وتغيير طريقة احتساب الإنفاق على البرمجيات والأبحاث، فضلاً عن قوانين الضرائب الأميركية التي شجّعت أصحاب الشركات الصغيرة على الحصول على دخلهم في صورة أرباح بدلاً من الأجور. لكن هذه التفسيرات لا تفسر التراجع خارج الولايات المتحدة أو داخل شركات «فورتشن 500»، ولذا اتجه مزيدٌ من الاهتمام إلى الأرباح وهوامش الربح والقوة السوقية.
غير أن استنتاج وجود قوة سوقية من بيانات الأرباح أمر معقد. فالأرباح المعلنة تختلف باختلاف ملكية الشركة لمصنعها أو استئجارها له، حتى لو ظل المصنع يؤدي الوظيفة نفسها. ولذلك يصعب تحديد ما إذا كانت زيادة الأرباح ناتجة عن قوة سوقية فعلية.
وفي حين يمكن مناقشة القوى الاقتصادية الكلية التي أثرت سلباً على حصة العمالة خلال العقود الخمسة الماضية، يُعد التغير التكنولوجي من أبرز العوامل التي تُفسر هذا التراجع السريع في حصة العمل خلال الأرباع الخمسة الأخيرة. ويظهر استخدم برنامج «شات جي بي تي» حجم العمل الذي قد يُنجزه البشر حالياً مقارنة بما قد تُنجزه التكنولوجيا.
ويمكن أيضاً توسيع شبكة الأمان الاجتماعي عندما تنخفض حصة العمل، إلى جانب إنشاء حسابات ممولة من دافعي الضرائب واستثمارها في مؤشرات أسهم واسعة.
لقد ولّت «معجزة» كينز، ولا يمكن أن نتوقع من قوانين مكافحة الاحتكار أن تحقق معجزةً أخرى. وستستمر الآلات في التطور والتحسن، ومن المرجح أن تستحوذ على حصة متزايدة من دخل البلاد. ومع ذلك يمكننا العمل لضمان حصول عدد أكبر من الأشخاص على حصة من تلك المكاسب.
*أستاذ الاقتصاد بجامعة شيكاغو، ومساعد وزير الخزانة الأميركي بين عامي 2023 و2025
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


