إن المرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، فالظهر يقوى بمن يسنده، والطريق يؤمَن برفيق يحفظ العهد، والدول كالرجال، منها من يكثُر كلامه ويقلُّ فعله، ومنها من تُغني مواقفه عن آلاف الكلمات.
الحديث عن الإمارات حديث عن بلد يهفو إليه ملايين القلوب محبّةً وثقةً، بلد تخبر قيمه عن خصال قيادته، وينطق عطاؤه بأخلاق أهله. الإمارات جبل سامق، من صادقها سعد بصدقها، ومن حالفها اطمأن إلى ظهره، ومن استند إليها وجد كتفاً يحمل معه أثقال الطريق وأوجاعه. ومن جفا الإمارات وتنكّر لفضلها فقد خسر شرف ودّها، وبقيت الإمارات في مقامها، فالجبل ما نقص من شموخه أن أدبر عنه عابر، وإنما العابر هو الذي فقد السَّند، من يتكئ على الإمارات يتكئ على جبل، راسخ في موقعه، عزيز في جانبه، وفيٌّ لمن سار معه.
أيها الناقم على الإمارات، ما انعزلت الإمارات يوماً عن انتمائها العربي، وما ابتعدت عن قضايا عالمها الإسلامي، فقد بقيت في صميم العروبة، تحمل همومها وتعمل من أجل نهضتها. جاء ذلك في زمن مزّقت فيه الانقسامات عالماً عربياً وإسلامياً، وصارت بعض أقطاره مرتعاً للفتن والمعارك والدمار، وتعطّلت فيه دول عن ركب الحضارة، وتعثّرت في التعليم والاقتصاد، حتى كاد معنى الدولة الوطنية يذوب، وكادت أوطان تختفي من خريطة المستقبل.
وسط هذا الركام بزغت الإمارات نافذة من نور، لتقول بالفعل إن العربي قادر على صناعة المستقبل بالإرادة والقرار والنهضة، وإن المسلم قادر على العودة في أفق العالم شريكاً في الحضارة. بنت نموذجاً عربياً إسلامياً متطوراً، ثم أبت أن تحتكر تجربتها، فحملتها إلى أشقائها استثماراً وتنمية وخبرة وشراكة، وأخذت بأيدي الدول والشعوب نحو مستقبل أوسع. ومن الأشقاء من تلقّى يدها بالشكر والامتنان، مدركاً أن نجاح الإمارات مكسب للعرب جميعاً، ومنهم من جحدها، فقد جفّت في رأسه ينابيع الفكرة والتبصر، وضاق عقله عن إدراك معنى النجاح، وغلبت مصلحته الذاتية مصلحة وطنه. والفاشل تضيق عينه بنجاح الآخرين، لأن كل إنجاز يراه يذكّره بما عجز عن إنجازه.
الإمارات، يا سادة، لا تتاجر بالقضايا. فالمتاجرة بآلام الناس يلجأ إليها الفاشل الذي يعجز عن تقديم إنجاز واحد، فيرفع صوته غطاءً لفشله، ويختبئ خلف الشعارات كي يحجب عجزه، ويصنع من جراح الآخرين مكسباً لمصلحته.
أما الإمارات فترعى المحتاج، وتذهب إلى الإنسان نفسه: إلى جرحه فتداويه، وإلى جوعه فتطعمه، وإلى عطشه فتسقيه، وإلى برده فتكسوه. وأما المتاجر فلا يملك إلا الصراخ وتخوين الآخر، وأما دولة الإمارات فكانت بما تملك من دواء وغذاء وماء وكساء تمضي بها إلى المحتاج حيثما يكون.
وبعيداً عن إنجازات الإمارات العظيمة، واقتصادها ومدنها ومشروعاتها التي عرفها العالم، يقف تاريخنا القريب شاهداً على معدنها الأصيل. كلما اشتدت أزمة في الخليج، أو نزلت محنة بشقيق عربي، هبّت الإمارات برجالها وعتادها وقيادتها وشعبها وجيشها للنصرة والفزعة، وتشهد البحرين واليمن، وما مرّ بهما من أحداث، على مواقفها ووفائها.
وفي فلسطين خفتت أصوات كثيرة خلف كلماتها، وكانت الإمارات في الميدان. تعالج المريض، وتداوي الجريح، وتحمل بقوافلها الطعام والدواء إلى المحتاجين، وتنشئ محطات التحلية لترد عن الناس عطشهم، وتسيّر سيارات الإسعاف، وتجري العمليات، وترعى الأطفال والمصابين، تواصلت قوافلها التي لا تنقطع، وعملت مستشفياتها الميدانية، ومضى أطباؤها وفرقها الإنسانية يؤدّون واجبهم وسط ظروف قاسية.
قدّمت الإمارات العون، وبذلت الجهد، وحملت العبء، وضحّت بدماء رجالها. وكل رجلٍ من قواتها كان وطناً، يحمل في صدره عهد الإمارات ووفاءها. خرجوا دفاعاً عن الحق، ونال بعضهم شرف الشهادة، فصارت دماؤهم شاهدة على وفاء دولة الإمارات العربية المتحدة، لانتمائها والمصالح الاستراتيجية للأشقاء.
الإمارات لا تزيد الحاسد إلا غيظاً، يراها تمضي فيما عجز عنه، وتبلغ ما استعصى عليه. ولا تزيد الطامح إلا بصيرة، ففي تجربتها درس لمن أراد أن يعرف كيف تُبنى الأوطان.
هكذا هي الإمارات، من استند إليها وجد ظهراً، ومن اتكأ عليها فإنما اتكأ على جبل.
الجبل تمرّ به الريح فلا يتصدع، وتحجبه السحب فما تزيده إلا جلالاً، وتعصف حوله العواصف فما تزيده إلا شموخاً. قد تختلف العيون في النظر إليه، أما هو فيبقى حيث كان، راسخ الأصل، شامخ القمة.
وتلك هي الإمارات، ما عليها من دَرَن حسّادها، إذ ما ضرّ الجبل المنيع غبار أثاره العابرون عند سفحه.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


