كان لترامب منذ حملته في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 موقفه غير التقليدي من الحرب الأوكرانية. والمقصود بغير التقليدي أن مواقف دول التحالف الغربي كانت عموماً منحازةً لأوكرانيا، أما ترامب فقد تحدّث غير ما مرة عن أنه لو بقي في الحكم بعد انتهاء ولايته الرئاسية الأولى لما نشبت الحربُ أصلًا، وكان ثمة أساس لما يقول، لأن الجانب الروسي اتخذ قرارَ الحرب بعد مماطلة أوكرانية مدعومة غربياً في تنفيذ اتفاقيتي مينسك 2015 التي قبلت موسكو بموجبهما بقاء جمهوريتي الدونباس تحت السيادة الأوكرانية مقابل تمتعهما بالحكم الذاتي. وكذلك بعد أن بدأت أوكرانيا. مستندةً للدعم الغربي، تتشدد في مطالبها، وبالذات التلميحات إلى رغبتها في استعادة وضعها كدولة تملك أسلحة نووية ورثتها عن الحقبة السوفييتية، وتخلّت عنها بموجب مذكرة بودابست 1994 مقابل ضمانات روسية أميركية بريطانية لاحترام استقلالها وسيادتها.
وعندما فاز ترامب بولايته الثانية ترجم موقفَه تجاه الحرب الأوكرانية بقبوله مبدأ تقديم أوكرانيا تنازلات إقليمية لروسيا، وعدم انضمامها لحلف «الناتو». وكان من شأن هذا الموقف أن يمثل دَفعةً لمسار التسوية، غير أن ذلك لم يَحدث لأنه كان صعباً على أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين قبول التنازلات الإقليمية المقترحة بعد قرابة 3 سنوات من الحرب. كذلك أغلب الظن أن الضمانات الأمنية المقترحة لأوكرانيا، خاصة أنها لن تنضم لحلف الأطلسي (الناتو)، لم تكن مقبولةً من روسيا. وهكذا لم تفض محاولةُ التسوية التي استندت لأفكار ترامب إلى أي نتيجة، ولم يطرأ أي تغير جذري على مسار الحرب الأوكرانية من شأنه إنهاء الجمود، بمعنى عدم القدرة على الحسم والتصعيد الذي تستلزمه محاولة كل من طرفَي الحرب فرضَ إرادته.
وقد فتح الاتفاق الأميركي الروسي، في 9 أكتوبر الجاري، بشأن إمدادات الديزل الروسية، صفحةً جديدةً في موقف ترامب تجاه الحرب الأوكرانية. وكان ذلك متوقعاً على أي حال، فالسلوك الروسي المتعاون مع ترامب لتخفيف وطأة أزمة إمدادات الديزل لم يكن متصوراً أن يمر مرورَ الكرام، لكن ترامب أصدر أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوباتٍ ورسوماً جمركيةً مفروضةً على روسيا.
ومِن جانبه انتقد الرئيسُ الأوكراني الاتفاقَ بشدة، واعتبره مكافأةً لموسكو وتشجيعاً لها على مواصلة هجماتها ضد أوكرانيا، بدلاً من الضغط عليها لإنهاء الحرب.
وكما كان متوقعاً فإن انتقادَ الاتفاق امتد إلى الدوائر الأوروبية، حيث حذّرت مسؤولةُ السياسة الأوروبية كايا كالاس مِن أن تخفيف القيود «يوفر لموسكو مزيداً من الإيرادات لتمويل حربها».
وقد أعادت هذه الملابسات أجواءَ اللقاء العاصف بين ترامب وزيلينسكي في البيت الأبيض، في فبراير2025، والذي وجّه فيه ترامب ونائبُه انتقاداتٍ حادةً لزيلينسكي على نحو غير مسبوق، وطُلِب منه مغادرة البيت الأبيض مبكراً. وقد تكررت هذه الأجواء بعد الأزمة الأخيرة، وإن يكن على نحو غير مباشر، حيث صرّح ترامب بأن الوقت قد حان لكي تحصل أوكرانيا على رئيس جديد يمكنه إبرام اتفاق، واتهم زيلينسكي بتعمد إطالة الحرب، وبأنه السبب المباشر في ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الضربات الأوكرانية التي استهدفت مصافي النفط الروسية.
وفي هذا المناخ المشحون ثارت المخاوفُ الأوروبية مجدداً مِن أن تؤدي التطوراتُ الأخيرةُ إلى تقليص إمدادات الأسلحة لأوكرانيا، أو وفق عمليات تبادل المعلومات الاستخبارية معها، وكلها تطورات تشير إلى أن طريق التسوية ما زال متعثراً.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


