كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تعزيز التفاهم بين أتباع الأديان، وما الشروط التي تمنع تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج الصور النمطية؟ شكّل هذا السؤال محور المؤتمر الدولي الذي احتضنته جامعة مونتريال، من 19 إلى 21 أكتوبر 2026، بعنوان «الحوار بين الأديان بمساعدة الذكاء الاصطناعي وفي حوار معه: مفاهيم ومقاربات وتحديات». نظّم المؤتمر مكتب تريندز الافتراضي في كندا، بالتعاون مع شبكة «بلوريال» وجامعة مونتريال، بمشاركة 32 أكاديميّاً من 24 مؤسسة وجامعة في 11 دولة.

وأتاح هذا التنوع الجغرافي والمؤسسي تلاقي خبرات ومقاربات متعددة، في لقاء تناول العلاقة المتنامية بين التكنولوجيا والمعرفة الدينية، وانعكاساتها على التعليم والحوار والتعايش في المجتمعات المعاصرة. وتنبع أهمية المؤتمر من تناوله تحولات باتت تمسّ الطريقة التي يتعرف بها الناس إلى الأديان. فالأنظمة الذكية تقدم إجابات وتفسيرات قد تؤثر في تصورات المستخدمين عن معتقداتهم ومعتقدات الآخرين. ومن هنا، تبرز ضرورة مساءلة مصادر هذه الإجابات، ومدى دقتها، وقدرتها على تمثيل التعدد داخل التقليد الديني الواحد، واحترام السياقات التاريخية والثقافية المختلفة.

وقد جمع البرنامج بين يوم للمداخلات العلمية والمناقشات، ويومين لورش العمل، بما أتاح الانتقال من التأمل النظري إلى الفحص التطبيقي. وشملت المحاور إعادة تشكيل المعرفة، والعلاقة بين المرجعية الدينية والوساطة التقنية، وجودة الحوار، والتحقق من المصادر، والمسؤولية البشرية. وأسهم هذا البناء في ربط الأسئلة الفكرية بتحديات واقعية تواجه الباحثين والمعلمين والممارسين. وفي صلب هذه الأسئلة حضرت قضية تمثيل الأديان: من يتحدث باسم تقليد ديني؟ وأي أصوات تظهر في الإجابات الآلية، وأيها تغيب؟

وتزداد أهمية هذه المسألة حين تختزل التقنية جماعة واسعة ومتنوعة في تفسير واحد، أو تقدم رأياً جزئيًاً بوصفه موقفاً جامعاً. لذلك، يقتضي الاستخدام المسؤول إظهار الاختلافات الداخلية وتوضيح حدود كل إجابة. كما تناولت النقاشات التمييز بين الخلاف المشروع والعداء، باعتباره شرطاً لتقييم جودة الحوار. فالاختلاف العقدي لا يعني بالضرورة رفض الآخر، والحوار لا يفترض إلغاء الخصوصيات أو الوصول إلى اتفاق شامل. وتكمن قيمته في إتاحة فهم أدق للمواقف، والتعبير عن التباين باحترام، والحدّ من التعميمات التي تغذي الإقصاء والاستقطاب وسوء الفهم المتبادل. وأتاحت ورش العمل مساحة لتحليل مواد وحالات محددة، ومقارنة القراءات البشرية بالمخرجات التقنية، وفحص مؤشرات التحيز والإقصاء والتحريض.

وتبرز أهمية هذا المسار في تدريب المشاركين على التعامل النقدي مع الإجابات الآلية، وعدم الاكتفاء بسلاسة صياغتها. فاللغة المقنعة قد تخفي معلومات ناقصة أو تمثيلاً غير منصف، وهو ما يجعل التحقق والمراجعة ضرورة معرفية. وامتد الاهتمام إلى الأخلاقيات والحوكمة، بما يشمل الشفافية والإنصاف وحماية البيانات وإمكان الاعتراض والتصحيح. وتؤكد هذه القضايا أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الحوار يحتاج إلى تعاون بين المتخصصين في الأديان والتكنولوجيا والفلسفة والعلوم الإنسانية، وإلى إشراك أصحاب التقاليد المعنية في تقييم كيفية عرض معتقداتهم وخبراتهم، مع إبقاء المسؤولية النهائية بيد الإنسان.

ويعكس تنظيم المؤتمر دور مكاتب تريندز الخارجية، وفي القلب منها مكتب تريندز الافتراضي في كندا، في بناء جسور التعاون بين المؤسسات البحثية والجامعات، وربط النقاش الأكاديمي بقضايا المجتمع. كما تفتح المشاركة الدولية آفاقاً لتطوير بحوث مشتركة وموارد تعليمية، وممارسات حوارية أكثر وعياً بحدود التقنية وإمكاناتها.

ومن مونتريال، تتبلور أهمية مسار علمي يجعل الابتكار في خدمة الفهم المتبادل، ويمنح التعدد الديني حضوراً أكثر دقة وإنصافًا في الفضاء الرقمي. ويعزّز فرص التعاون الإنساني على أساس المعرفة.

*باحث متخصص في الذكاء الاصطناعي- مجموعة تريندز.