«ميليشيا الحوثي» مالئة المشهد وشاغلة الناس في المنطقة، بعدما اضطرت إيران إلى تحريك عملائها في مواجهة أميركا وإسرائيل، واختارت بوعيٍ أن تستهدف السعودية ودول الخليج مباشرةً، وهو خيارٌ إيرانيٍ أملته الأيديولوجيا أولاً والعجز ثانياً.
ميليشيا إرهابية مسلحة تتحكم في دولةٍ، وهي متطرفة أيديولوجياً ومنظمة هرمياً وتمثل نموذجاً صارخاً للإسلام السياسي الشيعي العنيف، ودون الوعي بتطوراتها التاريخية التي أخرجتها تدريجياً من الزيدية التقليدية إلى الشيعية الخمينية وفق نظرية «ولاية الفقيه» عبر الجارودية فإن التعامل معها دولياً وإقليمياً يصبح خاطئاً حتى قبل أن يبدأ.
زار كاتب هذه السطور اليمن ثلاث مراتٍ في التسعينيات الميلادية، الأولى كانت في 1990 والثانية في 1995 والثالثة بعدها بعامين في 1997، وقد مكّنته هذه الزيارات الثلاث على قصرها زمنياً وظروفها غير العادية على بناء معرفةٍ عبر التجربة كرستها فيما بعد المعرفة العلمية والبحثية.
دخل كاتب هذه السطور اليمن في بداية 1990 عن طريق نجران، مع مجموعةٍ من أصدقائه، عبر ديار قبيلة وائلة المعروفة وكان هناك حينها حصنٌ أشبه بقلعةٍ تاريخيةٍ مصنوعةٍ من الحجر والطين. وصلنا إلى «قرية دماج» حيث الشيخ مقبل الوادعي، ودماج قريةٌ تبعد عن «مدينة صعدة» كيلومتراتٍ، فالسلفي في قرية دماج كان مجاوراً لصعدة حيث الحوثي الأب بدر الدين الحوثي وأبناؤه في منطقةٍ زيديةٍ تقليديةٍ، وكان علي عبدالله صالح معروفاً وقتها بالرقص مع الأفاعي من كل أطياف اليمن، ولدغته الأفعى الحوثية لاحقاً.
كان «مقبل الوادعي» داعيةً سلفياً، وكان عنده أكثر من ألف طالب علمٍ من داخل اليمن ومن خارجه، وكان في صعدة «زيديون» و«سلفيون» و«يهود» وكانت إحدى مراكز تجارة السلاح في اليمن، وكان الناس يتداولون حينها كلمةً شهيرةً لتاجر سلاحٍ مشهورٍ من أهل صعدة يقول فيها: «كل ما لدى الدولة من السلاح عندي، باستثناء الطائرات، ولكن لدي ما يسقط الطائرات».
حسين الحوثي «صاحب الملازِم» والمؤسس الحقيقي لـ «الشباب المؤمن» وصولاً لـ «ميليشيا الحوثي» هو شخصيةٌ مثيرةٌ، فقد تعلّم في «المعاهد العلمية» المنتمية لجماعة «الإخوان»، ورافق والده بدر الدين الحوثي، في زياراتٍ إلى لبنان وإيران حيث «ولاية الفقيه» ثم أكمل تعليمه العالي في السودان وتعلّم على يد «الإخواني» العتيد «حسن الترابي» هذان مصدران أساسيان لبناء فكره وشخصيته وخطابه وتفكيره التنظيمي والسياسي.
وكعادة جماعات الإسلام السياسي مع جماعات «اليسار» فقد بنى «حسين» علاقاتٍ متينةٍ مع الحزب الاشتراكي اليمني، وفي حرب 1994 بين الشمال والجنوب، وقف مع الحزب الاشتراكي ضد علي عبدالله صالح ومن معه.
في العام 1995 عدت لليمن في ظروفٍ مختلفةٍ، ووصلت إلى صنعاء والتقيت بفئاتٍ من الشباب السني حينها، فيهم «السلفي» و«الإخواني» و«السروري» و«القاعدي»، ولكن هذه التصنيفات لم تكن واضحةً حينها كما هي اليوم، وكان المشهد الأبرز هناك هو استقطاب علي عبدالله صالح لكل عناصر «القاعدة» من أجل معركته ضد انفصال الجنوب اليمني بعد الوحدة، ووظف بعضهم قادةً في جيشه ومنح كلاً منهم رتبة «عقيدٍ» في الجيش، وقد انتصر في 1994.
أخيراً، فقد كان معنى هذا أن «صالح» قد انحرف عن توازناته السابقة باتجاه التحالف مع الجماعات السنية المسلحة، وقد كان بدر الدين الحوثي هو من بدأ بالسعي لتغيير المذهب الزيدي الكريم باتجاه «الخمينية» ولهذا يجب أن يعلم الجميع أن «الحوثية» جماعةٌ منشقةٌ عن «الزيدية» ولا تنتمي لها، وتبعه على ذلك ابنه «حسين الحوثي» صاحب الأثر الأكبر في بناء الميليشيا.
*كاتب سعودي


