لم يكن المشهد الذي احتضنته دبي في ختام الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي مجرد احتفال بفوز مجموعة من الطلبة في مسابقة ثقافية، بل كان مشهداً يلخّص تجربةً عربيةً استثنائية في الاستثمار بالإنسان، ويكشف عن حجم ما يمكن أن تصنعه المبادرات الكبرى عندما تنطلق من رؤية تؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ من بناء العقول. ففي سبتمبر 2015، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، حاكم دبي، رعاه الله، «تحدي القراءة العربي»، واضعاً أمامه هدفاً طموحاً يتمثّل في تشجيع أكثر من مليون طالب وطالبة على قراءة 50 مليون كتاب خلال عام دراسي واحد. كانت الفكرة في ظاهرها مسابقة للقراءة، لكنها في جوهرها مشروع لإعادة الاعتبار للكتاب في حياة الأجيال العربية القادمة، وتحفيز الاهتمام العربي بالمعرفة انطلاقاً من داخل المدرسة وسائر المؤسسات التعليمية، وصولاً إلى المجتمع العربي الواسع والمتنوع. ولم يكن الرهان حينها على عدد الكتب المقروءة وحده، بل على ما يمكن أن تصنعه القراءةُ في تعزيز وعي الطفل وشخصيته وقدرته على فهم العالم.
والآن، وبعد مرور عشرة أعوام منذ انطلاق تلك المبادرة الفريدة، جاءت الأرقامُ لتكشف عن حجم التحول الذي أحدثته هذه المبادرة. فقد تجاوز إجمالي عدد المشاركين في «تحدي القراءة العربي»، بجميع دوراتها العشر، 203 ملايين طالب وطالبة. كما سجلت المبادرةُ أكثرَ مِن مليون مشاركة للمدارس العربية، فيما شارك في الإشراف عليها أكثر من 1.1 مليون مشرف ومشرفة قدّموا إسهاماتِهم في إطار تلك المشاركات. أما الدورة العاشرة التي تم الاحتفاء بها مؤخراً فقد حققت وحدها الكثيرَ من النتائج المبهرة، إذ استقطبت هذه الدورةُ مشاركةَ 40286428 طالباً وطالبة من 60 دولة، مثّلوا 138426 مدرسة، وبإشراف 161507 مشرفين ومشرفةً. وبالمقارنة مع الدورة الأولى التي شهدت مشاركة 3.6 مليون طالب، ارتفع عدد المشاركين بنحو 1100%. والواقع أن هذه الأرقام لا تعبّر عن التوسع في حجم المشاركة فحسب، بل تمثّل مؤشراتٍ على ما أحدثته هذه المبادرة من حراك ثقافي تجاوز الحدودَ، وفاق الطموحَ، لتصبح أحد أكبر المشاريع الثقافية العربية المعنية بنشر وتعزيز القراءة.
والأهم أنَّ أثر هذه المبادرة لم يبقَ في حدود المشاركة فقط، حيث أظهرت دراسةٌ أُجريت بالشراكة مع منظمة «اليونسكو» ارتفاعَ متوسط الكتُب التي يقرأها الطالبُ سنوياً من نحو 8 كتب قبل المشاركة إلى أكثر من 40 كتاباً بعدها، كما أظهرت تحسناً بنسبة 93% في مهارات اللغة العربية، فيما أصبح 71% من الطلبة أكثر ارتباطاً بثقافتهم واعتزازاً بلغتهم، وارتفعت ثقتهم بأنفسهم بنسبة 96%. وهنا تكتسب الأرقامُ معناها الحقيقي، لأنها تقيس تغيراً في السلوك والمهارة والانتماء، وليس مجرد إقبال على منافسة سنوية.
واستناداً إلى ما تحقق خلال عقد كامل، فإن «تحدي القراءة العربي» يعد أحد أهم مسرّعات نشر الثقافة وتعزيز الوعي المعرفي في المنطقة. فقد نجح في نقل القراءة من كونها تكليفاً مدرسياً إلى تجربة يتنافس فيها ملايين الأطفال والشباب، ويجدون فيها مساحةً لاكتشاف قدراتهم وتوسيع مداركهم. وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتدفق المعلوماتُ بلا حدود، تصبح القدرةُ على القراءة والفهم والتحليل والتمييز ضرورةً لا غنى عنها.
لقد راهن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قبل عشرة أعوام، على الكتاب بوصفه مدخلاً لبناء الإنسان، وأثبتت التجربةُ أن الفكرةَ حين تجد الرؤيةَ والإرادة والتنظيم تستطيع أن تتحول إلى مشروع يتجاوز حدودَها. فالأوطان تبني نهضتَها بالعقول التي تقرأ وتفكر وتبدع، وتعرف كيف تحوّل المعرفةَ إلى إنجاز.
*كاتبة إماراتية


