على امتداد سلسلة جبال "استرزيليكز" التي تقع إلى الشرق من مدينة "ملبورن" في أستراليا فإن المرتفعات الشديدة الانحدار والتربة الهشة وسقوط الأمطار الغزيرة قد تآمرت جميعها فيما يبدو لإحباط كل الجهود الرامية إلى تطوير حياة ومعيشة لائقة هناك. ورغم ذلك فقد تمكنت صناعة واحدة من البقاء وهي صناعة الأخشاب، فقد ظلت هذه الجبال موطناً لأشجار "الأوكالبتوس" التي عرفت بأخشابها القوية واستمرت في النمو إلى ارتفاعات شاهقة بشكل أثار الإحساس بالغيرة والحسد في غابات أشجار الخشب الأحمر في سواحل كاليفورنيا. والآن فإن سلسلة جبال "استرزيليكز" أصبحت هدفاً للجهود الطموحة للمحافظة على مناطق الغابات القديمة في الجبال والخليط الفريد الذي تتمتع به من نباتات وحيوانات وبشكل يسمح أيضاً بازدهار صناعة الأخشاب بصورة مستدامة.
وفي الخريف الماضي نجحت الشركة التي تملك حقوق قطع الأخشاب في إبرام اتفاقية مع جماعتين لحماية البيئة من أجل العمل معاً في إدارة هذه الأراضي بشكل يؤدي إلى التنوع البيولوجي وتطوير المصادر الخشبية. إن توقيع مذكرة للتفاهم من أجل التعاون بدلاً من التوصل إلى خطة طويلة المدى بشأن المحافظة على هذه الموارد ربما يعتبر أمراً محبطاً، ولكن هذه المبادرة تمثل خطوة شديدة الأهمية بالنسبة إلى أستراليا، وتأتي في وقت تتعاظم فيه المخاوف العالمية بشأن الأعمال المشروعة وغير المشروعة لقطع الأخشاب لمقابلة الطلب المتنامي على الأخشاب وبخاصة من الساحة الخلفية لأستراليا في القارة الآسيوية. وإلى ذلك فإن الغابات في المنطقة أصبحت تواجه المزيد من الضغوط؛ ففي الوقت الذي بدأت فيه الصين تتخذ العديد من الخطوات التي تهدف لحماية بعض غاباتها وإعادة زراعة البعض الآخر فإن طلبها على الأخشاب بلغ حدود الذروة إلى الحد الذي لن تستطيع فيه تلبية نصف احتياجاتها الصناعية في غضون خمسة أعوام من الآن، حسبما جاء في تقرير أفرج عنه صندوق الحياة البرية العالمية في أوائل هذا الشهر. والآن فإن أكبر الدول المزودة للصين بالأخشاب مثل أندونيسيا وماليزيا وروسيا أصبحت تواجه مشكلة كبرى من منطلق أنها الدول الأكثر ممارسة للعمليات غير المشروعة في قطع الأخشاب وتهديد البيئة في الغابات. ويزعم صندوق الحياة البرية العالمية أن معظم هذه الأخشاب غير المشروعة تجد طريقها إلى الأسواق الصينية. ويقول "كيفن روبرتز" مدير منظمة المناخ والاستدامة في "لاتروب" إحدى المدن العديدة في المنطقة المهتمة بالمستقبل الاقتصادي والبيئي لسلسلة جبال "استرزيليكز" في أستراليا: "إن هذه القضية شديدة الأهمية بالنسبة لنا وستصبح نموذجاً للكيفية التي نمضي بها قدماً إذ أننا واقعون تحت المراقبة". ويبدو أن "مالكولم تونكين" مدير خدمات البيئة لشركة "هانكوك فيكتوريان بلانتيشن" للأخشاب التي وقعت على مذكرة التفاهم، يتفق مع هذا الرأي وهو يقول:"إنه مشروع يحظى باهتمام كبير".
وبالنسبة إلى أستراليا فإن القارة الآسيوية تعتبر سوقاً ضخماً لمنتجات الغابات بالإضافة إلى الطلب المتنامي في داخل هذه الجزيرة- القارة نفسها. فهنالك حوالي 160 ألف منزل يتم بناؤه سنوياً داخل أستراليا. وهو رقم ربما يعتبر صغيراً بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية ولكنه كبير جداً مقارنة بالتعداد السكاني الذي لا يتجاوز 10 ملايين نسمة في أستراليا. ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هي: هل يمكن أن تمضي أعمال قطع الأخشاب في نفس الوقت الذي يتم فيه فرض إجراءات إضافية للحماية والمحافظة على البيئة؟ وهل من الممكن صياغة اتفاقية قابلة للاستدامة حتى في حال قررت شركة "هانكوك" بيع مصالحها في هذه الأراضي؟ ويبدو أن الإجابة التي توصلت إليها جميع الأطراف حول هذه الأسئلة هي "نعم" ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال.
يقول "مايكل لوكر" مدير منظمة "ترست فورنيتشر" الأسترالية التي تسعى لإنجاح الاتفاقية بتشجيع من منظمة "المحافظة على الطبيعة الأميركية": "إن الأمر بات يتعلق بمدى الحدود التي تم التوصل إليها ومدى ما تتمتع به هذه الحدود من صلاحية وجودة. إننا نحتاج أيضاً إلى تحديد قيمة الممتلكات والأراضي التي يمكن أن تتخلى عنها شركة "هانكوك" وتضمينها في أي اتفاقية نهائية. والجدير بالذكر أن مذكرة التفاهم تغطي منطقة هائلة ومتنوعة من الأراضي. فعلى طول طريق قطع الأخشاب تتناثر الأخشاب الساقطة في ظل وجود سيقان الأشجار المغروسة البديلة. وتحتوي بعض المناطق على أشجار أخشاب الصنوبر التي تم استيرادها من سواحل كاليفورنيا بينما تتضمن بعض المناطق الأخرى أشجار الصمغ الأزرق السريعة النمو وهي أحد أنواع أشجار "الكالبتوس". ويشير "تونكين" إلى أن أشجار "الكالبتوس" جلبت إلى أستراليا قبل 60 مليون عام من الآن. ولكنه يفسر وجود هذه الغابات المطيرة بأنها تعود إلى عصر قديم عندما كانت أستراليا جزءاً من شبه قارة جنوبية كانت تعرف باسم "جوندوانا لاند".
وبشكل مبدئي فإن ولاية "فيكتوريا" تعتبر هذه المنطقة من المناطق المثمرة في مجال تطوير وتنمية