مع كل هذا التشاؤم الذي يسود العالم ليس من السهل النظر إلى الصورة في شموليتها· فبينما لا يركز التلفزيون سوى على القنابل التي تنفجر في العراق، نجده يغفل تماما عن الملايين من الأشخاص الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأفغانية· وفي حين تطالعنا صور الفلسطينيين الغاضبين من الاحتلال، لا يتم التطرق إلى لماماً للتطور الديمقراطي الذي تشهده مصر· وفي الوقت نفسه سيطر إعصارا ''كاترينا'' و''ريتا'' على نشرات الأخبار ضاربين بحجاب كثيف على الأحداث الأخرى المهمة التي تحصل في العالم· ويبدو في النهاية أن الصورة التي تحاول شبكات الإرسال العالمية بثها هي أن العالم منحدر نحو الهاوية، وخارج تماما عن نطاق السيطرة· لكنني شخصياً أرى الأمور مختلفة· فها هو جورج بوش يعلن باستمرار أن الهدف من وراء الإطاحة بنظام صدام حسين هو تعزيز الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط·
وإلى جانب ذلك أعطت ''ثورة الأرز'' في لبنان مثالا رائدا على إرادة الشعوب يضاهي في أهميته سقوط جدار برلين في عام ·1989 وبالمثل فقد رأينا كيف قامت ليبيا بتفكيك برنامجها لأسلحة الدمار الشامل وأظهرت التزامها بتعويض عائلات ضحايا لوكيربي· أما مصر التي تعتبر أكبر دولة عربية فقد شهدت قفزة كبيرة نحو الديمقراطية بعد تنظيمها لأول انتخابات رئاسية متعددة، رغم ما تعرضت له من انتقادات· وفي هذا السياق صرح ديفيد إجناتيوس مراسل ''واشنطن بوست'' من القاهرة قائلا ''تستمد حركة الإصلاح في العالم العربي قوتها من انبثاقها من عمق المجتمعات العربية، وليس لأنها صادرة عن هؤلاء المتحمسين للديمقراطية في واشنطن''· ويتفق تصريح إجناتيوس مع طرح بوش القائل إن الشعوب العربية والإسلامية تواقة إلى الحرية وتقرير المصير، وإنها لا تختلف في ذلك عن باقي شعوب العالم التي تأبى الظلم والاستبداد، ولا يهنأ لها بال إلا بعد معانقة الديمقراطية عن طريق النضال الطويل، والتضحيات الجسام· فالأفغان صوتوا منذ فترة وجيزة، كما أن العراقيين سيصوتون للمرة الثانية خلال هذه السنة· وبالرغم من أن رحى العنف مازالت دائرة في العراق، إلا أن الديمقراطية والحرية ماضيتان في طريقهما·
وبالطبع ليست الأخبار جيدة على جميع الجهات· فعلى ما يبدو مازالت إيران ترفض التخلي على برنامجها النووي، ولحد الآن لم تفلح المساعي الأوروبية للدول الثلاث؛ فرنسا وبريطانيا وألمانيا، في ثني إيران عن طموحاتها النووية، رغم العطاء الجزيل الذي وعدت به تلك الدول إيران· ومن جهة أخرى تبدو الوعود التي أطلقتها كوريا الشمالية بخصوص التخلي عن برنامجها النووي مجرد مناورة لربح المزيد من الوقت· ومع ذلك فإن المطمئن في الأمر أن الصين وهي البلد الوحيد الذي يستطيع الضغط على كيم يانغ بدأت تقوم بذلك· ويبقى المشكل المطروح بالنسبة لنا هي تلك الأنظمة الشريرة التي لا يمكن استخدام الحل العسكري ضدها، حيث لن يبقى في مثل هذه الحالات سوى تسريع عملية التغيير السلمي للأنظمة لتلافي اندلاع اضطرابات إقليمية قد تؤثر سلبا على السلام الدولي·
ومن جهة أخرى تشير استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز البحوث أن معظم الأميركيين يعتقدون أن الاقتصاد في حالة سيئة، رغم أن الأرقام والإحصاءات سواء تلك الواردة من جهات حكومية، أو الصادرة عن مراكز مستقلة تشير إلى أن الأداء الاقتصادي جيد· فمعدلات التضخم والبطالة في الولايات المتحدة انخفضت بشكل ملحوظ، كما أن معدل النمو الاقتصادي واصل منحاه التصاعدي ولم يهتز الاقتصاد الوطني بالرغم من أحداث 11 سبتمبر التي توقع البعض أن تكون مؤلمة للاقتصاد· بل حتى إعصار كاترينا وما صاحبه من دمار هائل لم ينل من قوة الاقتصاد الأميركي· وبعد جيـــل من الأداء الاقتصادي الجيد الذي تميز بانخفاض معدل التضخم، ربما لم يعد هناك من شيء يرضينا نحن الأميركيين سوى الفقاعات الاقتصادية التي شهدها عقد التسعينيات· وربما يكون لهذا السبب أننا لم نعد نبدي إعجابنا بالاقتصاد الأميركي حتى عندما يثبت صموده في وجه الأزمات والكوارث الطبيعية·
إنني أعجب حقا للنظرة السوداوية التي تطغى على الإعلام، وتغفل عن رؤية المنافسة القوية والتغير المتسارع الذي يطبع عالمنا اليوم، خصوصا مع صعود قوى عالمية مؤثرة مثل الصين والهند اللتين تشكلان 37% من سكان العالم· وبفضل النمو الاقتصادي الكبير الذي تحققانه، بالإضافة إلى القدرات البشرية الهائلة التي تتوفران عليها، مما جعلهما تتوجهان بخطوات حثيثة نحو مصاف دول العالم الأول، لا سيما بعد التحولات الجذرية التي يشهدها اقتصاداهما· لكن ما نغفل عنه حقا في غمرة الصور السلبية التي تركز عليها وسائل الإعلام هو أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي ترتقي فيها شريحة واسعة من سكان العالم في كل من الهند والصين إلى مراتب متقدمة على الصعيد الاقتصادي والمعيشي· وليس ذلك فقط بل حتى اليابان التي كانت تعاني طيلة الخمس عشرة سنة الماضية من معدل تضخم مرتفع بدأ اقتصادها يسترجع عافيته متجها نحو إقلاع جديد· وبالتزامن مع ذلك تشهد اقتصاد