لقد تبقى عام واحد فحسب على انقضاء مدة تولي كوفي عنان لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة· لكن على رغم ذلك، فقد أظهر عنان عجزاً كبيراً حتى هذه اللحظة، في إجراء أية إصلاحات مؤسسية وهيكلية على المنظمة الدولية· ومن غرائب المفارقات ألا تنظر الأمم المتحدة إلى العنصر الخارجي، الأكثر وعداً وتحريضاً على الإصلاح، أي ميزة التنافس الخارجي· ولا جدال في أن يمثل الاحتكار، أداة تدمير لأي مؤسسة من المؤسسات· وبهذه المناسبة فإن الملاحظ هو أنه يمكن التصدي لمعظم المشكلات والتحديات التي تواجهها الأمم المتحدة اليوم، من قبل منابر دولية أخرى خلافها· وحتى بعد كشف النقاب عن فضيحة الفساد المالي والإداري لبرنامج النفط مقابل الغذاء العراقي في عهد صدام حسين، وبدء التحقيقات الجنائية في عائدات ذلك البرنامج وأوجه صرفها، وعلى رغم التقارير التي أعدتها لجنة ثنائية حزبية أميركية رفيعة المستوى، وكذلك انعقاد قمة دولية جمعت بين رؤساء الحكومات والدول، عن ضرورة إصلاح الأمم المتحدة، إلا أن واقع المنظمة ظل كما هو، وليس ثمة ما يشير إلى حدوث أي تغيير مؤسسي هيكلي فيها! وفيما يبدو فإن السيد الأمين العام للأمم المتحدة لم يؤكد للجمعية العامة للمنظمة الدولية بما يكفي، قناعته العامة بأن حسن الإدارة لهو من مصلحة الكل·
وهل من عين واحدة تستطيع أن تخطئ أهمية التعجيل بإصلاح الأمم المتحدة؟ فحينما تقل وتشح الموارد اللازمة لتمويل عمليات حفظ السلام، وكذلك لتمويل البرامج الصحية والتنموية على نطاق العالم، فإن من الخطأ القاتل أن تبدد المنظمة أموالها في الإنفاق على موظفين لا عمل لهم، وعلى تفويضات وصلاحيات انقضى أجلها! وغني عن القول إن الاستخدام الناجز والفاعل للأموال والموارد، إنما يتطلب قدراً كبيراً من الشفافية والاتساق، وأنه يغدو غير ممكن تقريباً، حين يكون هناك مفتش دولي عام، يفتقر إلى الموارد البشرية اللازمة، ويعجز عن أن يطلع الدول الأعضاء في المنظمة على تقاريره· وما قيمة وأهمية الجهد الدولي الذي تبذله المنظمة في مضمار حقوق الإنسان، حين تضم لجنة حقوق الإنسان التابعة لها، أعضاءً يتصدرون قائمة الدول التي تمارس الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، كما هي حال كوبا وزيمبابوي؟!
وما أخطر الاتكاء الكسول على الإنجازات والأمجاد التليدة لأي مؤسسة أياً كانت· فهو خطر على الأمم المتحدة، بقدر ما هو كذلك بالنسبة لشركة خاصة كبيرة مثل جنرال موتورز· ''إننا نعمل من أجل خير وسعادة المجتمع الدولي'' تلك كانت هي العبارة المأثورة التي تردد صداها في مقر الأمم المتحدة بـ''ترتل باي'' في مانهاتن· وتكتمل تلك العبارة بجزئها الآخر ''ولذلك فإننا لاشك بخير''· وربما كانت عبارة كهذه تكفي وتسد الحاجة في يوم ما· غير أننا لم نعد بعد في عام ·1945 فهناك عدد لا يحصى الآن من المنظمات الدولية ومتعددة الجنسيات، شرعت تحدد المعايير وترسل قواتها الخاصة بحفظ السلام، فضلاً عن مراقبتها لسجل حقوق الإنسان في مختلف دول العالم وأنحائه· من بين هذه المنظمات نذكر ''منظمة الأمن والتعاون الأوروبي'' و''منظمة الدول الأميركية'' و''الاتحاد الإفريقي'' وغيرها كثير· إلى ذلك يسهم حلف ''الناتو'' ومنظمات أخرى مثل ''الجمعية الاقتصادية لدول غرب إفريقيا'' في إرسال قوات حفظ السلام، سواء على المستوى المحلي الإقليمي، كما هو الحال بالنسبة للمنظمة الثانية، أم على المستوى الدولي، كما حال حلف ''الناتو''· وإلى ذلك تسهم المنظمات المهنية المتخصصة في مجالي التجارة والاقتصاد، في وضع المعايير التجارية والاقتصادية، كما هو حال منظمات التجارة الدولية والإقليمية، أو مثلما تفعل ''لجنة باسل للإشراف المصرفي''·
والشاهد أن تنامي النزعة الإقليمية والمحلية، قد حد كثيراً من سياسات إصلاح المنظمة الدولية في الخمسين عاماً الأولى من عمرها· ففي فترة الحرب الباردة، نجح الاتحاد الســوفييتي في استقطــاب حركـــة عــدم الانحيـاز -وهي مجموعة دولية شرعية لها عضويتها داخل الأمم المتحدة- لتمرير موقفه وسياساته المعادية للغرب· وإلى اليوم لا تزال كوبا تمارس نفوذها القوي تحت مظلة نظام رئيسها فيدل كاسترو، الذي نجح في إخفاء ديكتاتوريته تحت عباءة ''تضامن الجنوب''· ولذلك فإنه ليس في وسع الولايات المتحدة حضور النقاش السياسي الذي يجري داخل مجموعة المئة وخمس عشرة دولة الأعضاء فيها· ثم هناك مجموعة السبع وسبعين دولة، التي تعقد اجتماعات خاصة بها، لتقرير مواقفها وسياساتها· وبعد أن ارتفعت عضوية هذه الدول إلى 132 دولة الآن، فقد أصبح في وسعها منفردة، تمرير أية قرارات أو سياسات تريدها داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة· وعلى الرغم من أن لواشنطن أصدقاءً في كلتا المجموعتين المذكورتين، إلا أن هؤلاء الأصدقاء يتخوفون من الخروج عن إجماع المجموعات التي ينتمون إليها، مما يفقدهم دعم مجموعاتهم فيما يجابههم من مشكلات وتحديات محلية· وهكذا يبدو الموقف عصياً ومعقداً· غير أن ذلك لا يبرر لواشنطن أن تجلس مكتوفة اليدين، ومستسلمة


