في ليلة الحادي عشر من سبتمبر عام 2003 خرج ابن لادن من مخبئه من أدنى الأرض مثل روبن هود ومعه فيلسوف الحركة أيمن الظواهري· وخرج بوش من أقصى الأرض مثل زيوس رئيس آلهة أثينا ومعه إله الحرب رامسفيلد وكل منهما يدعو إلى القتل· وتشابهت قلوبهم مع اختلاف أديانهم على ملة قابيل القاتل الأول·
وفي قناة عربية ناقش عدد من السياسيين المسألة، فكانوا مثل السحرة الذين يعالجون مسبوت في العناية المشددة بالبخور· وعندما تلت المحطة بيان شيخ المجاهدين صاح الجمهور العربي نفديك بالروح بالدم يا أبو الجماجم· وابن لادن فعل ما فعله تيمورلنك الذي كان يودع المدن بأهرام من الجماجم· وابن لادن ترك خلفه منارة من ثلاثة آلاف جمجمة أميركية· ولكن حياة الكفار في نظره ليست بذات قيمة·
ومن يستخف بحياة الأميركيين يستخف بحياة كل الناس· ولا يختلف في هذا بوش عن بن لادن عن الأنظمة الثورية فكلهم من القتلة· وتتعاون أنظمة ثورية عربية اليوم مع بوش فتلعنه في العلن وترفده بالمعلومات سرا ما يفوق توقعه· والمهم اعتلاء ظهر الجماهير بأي ثمن·
وعندما يُقتّل اليهود ننقل الأخبار بفرح، وعندما يقتل فلسطيني نقول عنها جريمة والقتل واحد· والأرض كلها ليست بديلا لقتل إنسان واحد· وإذا كان هناك مقدس فهي قطعا ليست الحجارة بل روح الله التي نفخها في الإنسان· ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعاً·
وخطبة (الظواهري) لم تزد على قراءة فصل (الجهاد) في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب· فنقل (القاعدة الصلبة الواعية) من صعيد مصر إلى (تورا بورا)· والفكر الجهادي الجديد لا يزيد على نسخة معدلة عصرية للخوارج ولا يكتفي الآن بحرب الأنظمة الأموية المعاصرة، كما فعل الخوارج من قبل، بل وصل إلى وصفة جديدة على يد الطبيب الظواهري أن الحية تقتل الحية بهرس رأسها وليس بقطع ذنبها وقطع رأس حاكم عربي يعني التخلص من موظف صغير في الإدارة الأميركية والمهم نسف أميركا· وهو ما أدخل كل العالم الإسلامي في ورطة·
وأما ابن لادن فما زال في حضن الفقيه الاسفراييني أيام المماليك البرجية يقرأ الخطاب من كتب صفراء· وأما (الرفيق) اللبناني الذي أراد مناقشة الظاهرة فكان حريصا أن يخلع عباءة السلطان العباسي على كتف الحزب القائد حتى يرضى· ومن كان بجانب الرفاق فهو في غابة السباع· والخطأ في الكلمات أشد من المرور على ألغام الدبابات فوجب التقيد بتعاليم السلامة قبل أن يرفع على (الفلق) أو الخازوق في فرع أمني·
وأما الفلسطيني فهو ينادي من لندن بالجهاد· وهي دلالة على حلم البريطانيين وعقلهم مع الخطرين أينما كانوا· ومن يستطيع أن يتحدث من لندن ضد لندن فهي شهادة للندن· والفلسطيني معذور لأنه محاصر أربعاً فهو محبط وقيادته السياسية نجحت في بناء تسعة عشر جهازاً أمنياً أكثر من حل مشكلة الفلسطيني اليومية· وجامعة الدول العربية ميتة منذ ولادتها· وإسرائيل علت علوا كبيرا· وفي يوم قابلت مفكرا إسلاميا في محطة فضائية فقال: دع العرب يهدمون إسرائيل طالما ليس عندهم قدرة سوى الهدم؟ قلت له ولكن عندما تهدم إسرائيل لن تحل مشكلاتنا· فنستبدل المغص بالصداع والسل بالإيدز؟ وفي عام 1865 كتب (ديستوفسكي) عن (الجريمة والعقاب) في ظل الإحباط العام أيام القيصر الروسي فقال: إن الجو عندما يمرض يمرض كل الناس ويصبح الكل مجرمين؟
والعرب عموما يعيشون أجواء ما قبل الثورة الفرنسية· وكثير من دولهم مهيأة لانفجارات مروعة· والناس تؤمن بالقتل ولكن القتل لا يأتي إلا بالقتل· وأهم ما في الحوار حول ظاهرة العنف وابن لادن أن كل المتحاورين لم يكن عندهم بديل سوى القتل· والله يدعو إلى دار السلام·
إنه زمن العقم العربي في عصر الظلمات السياسي·
تروي فطمة أوفقير في كتابها المثير (حدائق الملك) وهي كلمة تعني السجون السلطانية أن الأوامر كانت تقضي أن لا قتل بل الموت ألف مرة· كما يطلب أهل النار من مالك: ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون· قالت عن الملك : إنه كان ينام والمسدس لا يفارق قبضته· بعد أن نجا من انقلاب قصر الصخيرات· وتروي بعد أن جلست عشرين سنة في الحبس عن الكاردينال ميزران أنه كان في سكرات الموت عندما زاره الملك لويس الرابع عشر فقال له : أرجوك لا تتركني إنني أعاني من القنوط جداً· سأله ميزران بضعف لماذا؟ قال لم أعد أثق بأحد؟ همس ميزران في أذن الملك: اطمئن فقد أصبحت الآن ملكاً عظيما؟!