هل يذكر أحد أن موضوع العلم والتكنولوجيا وجد مكاناً على جدول أعمال لقاء من اللقاءات التي تعقد بين مسؤولين عرب كبار؟ وهل فكرت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القيام بمحاولة -مجرد محاولة- لإدراج هذا الموضوع على ''أجندة'' اجتماع من اجتماعات القمة العربية؟
خطر لي هذان السؤالان عندما طالعت تقريراً عن التقدم الذي تم إحرازه في تنفيذ الاتفاق الصيني- الهندي الموقع في 11 أبريل الماضي لإقامة ''شراكة اقتصادية للسلام والازدهار''· فثمة اهتمام ملحوظ بالتعاون العلمي والمعرفي سعياً إلى الارتقاء بالعلاقات بين الدولتين الكبيرتين إلى أعلى مستويات هذا التعاون وخصوصاً في تكنولوجيا المعرفة·
وإذا تواصل هذا التقدم، ربما نكون إزاء قطب عالمي عظيم في طور التكوين يضم نحو ثلث سكان الأرض ويمتلك الأساس الموضوعي للمنافسة على القمة العالمية في المدى البعيد· فقد تبوأت الولايات المتحدة موقعها المنفرد في قمة النظام العالمي لأنها الأكثر تقدماً على المستوى المعرفي- التعليمي- التكنولوجي· وستظل في هذا الموقع ما دامت هي الأوفر إنتاجاً لتكنولوجيا المعرفة الأكثر تقدماً·
ويعني ذلك أن هيكل النظام العالمي لن يتحول من الأحادية إلى التعددية، أو حتى الثنائية، إلا إذا تمكنت قوى أخرى من منافستها في إنتاج هذه التكنولوجيا· فالعلاقة، إذن وثيقة بين قمة النظام العالمي وقمة الهرم التكنولوجي- المعرفي·
وإذا كان الأمر كذلك، لابد أن نتساءل عن حالنا في العالم العربي ونحن نقبع في أحد أركان قاع هرم المعرفة والتكنولوجيا· فما زال العقل العربي مولعاً بثقافة الأدب والفن، وعازفاً عن ثقافة العلم· ولذلك لا يثير دهشة أحد عدم وجود أي كتاب علمي أو يتعلق بالعلم أو فلسفته أو ثقافته بين الكتــــــب التـــــي تتصـــــدر قوائم التوزيــــع Best Sellers في الدول العربية· وهذه القوائم لا تقدم مؤشرات بشأن حالة قراءة الكتب والاتجاهات السائدة فيها فقط، وإنما تنطوي على دلالة كبرى بالنسبة إلى حالة المجتمع والأمة·
وليس ثمة خطر على مستقبل أمتنا أكبر من استمرار انصراف أبنائها عن العلم الحديث وازدياد الفجوة العلمية بينها وبين العالم عاماً بعد عام· ومع ذلك فقليلاً ما يثير هذا الخطر قلقنا، بخلاف ما يحدث عند غيرنا حين يكتشفون أن تقدمهم العلمي لا يسير وفق المعدلات اللازمة لاستمرار تفوقهم لا لانتشالهم من هاوية التخلف· فالأميركيون، مثلاً يدقون ناقوس الخطر للتنبيه إلى أن التقدم الطفيف الذي تحقق في دراسة العلوم والرياضيات في الأعوام الثلاثة الأخيرة لا يكفي للحاق بالدول الآسيوية التي سبقت الولايات المتحدة فيها·
فالقوة التي تتمتع بها هذه الدولة، والتي أهلتها للانفراد بقمة النظام العالمي، تعود إلى أسباب تفوقها في أهم العناصر اللازمة للتقدم في هذا العصر· وفي مقدمتها الإنجاز النوعي الذي حققته في الرياضيات والعلوم· ولذلك سادها قلق شديد عندما ظهرت مؤشرات منذ عام 1995 تفيد أن الطلاب في بعض الدول الآسيوية باتوا أكثر تفوقاً من نظرائهم الأميركيين في هذا المجال·
وما زال القلق طاغياً حتى الآن بالرغم من الدراسات الحديثة التي حملت مؤشرات مشجعة للأميركيين· ويثير الانتباه، هنا، أن الأميركيين مهمومون بالتراجع العلمي بالرغم من محدوديته، فضلاً عن أنه لا يعمل لمصلحة دول كبرى يمكن أن تكون مؤهلة لمنافستهم على القمة العالمية· فالدولة الكبرى الوحيدة، من بين الدول الخمس التي تحتل المقدمة في دراسة العلوم والرياضيات في المدارس، هي اليابان التي لا تعتبرها الولايات المتحدة مصدر تهديد· وتأتي اليابان الآن في المرتبة الثانية عالمياً في هذا المجال، إذ تسبقها دولة صغيرة هي سنغافورة· وتجيء بعدهما هونغ كونغ وكوريا وتايوان على التوالي، وهذه كلها دول لا تطمح إلى أن تكون أكثر من قوى إقليمية فاعلة· غير أن الإحساس بالخطر في الولايات المتحدة ينبع من إدراك عميق لقيمة العلم ودوره الحاسم في تحقيق التفوق الأميركي وبالتالي في الحفاظ عليه أو فقدانه·
وهذا الإدراك موجود في قمة النظام السياسي كما في مؤسساته، وفي غيرها من هيئات الدولة والمجتمع، ولذلك فهو يعبر عن نفسه في منظومة متكاملة من السياسات والبرامج التنفيذية· فلا يكفي أن يكون المستوى السياسي الأعلى مدركاً قيمة العلم وراغباً في إحراز تقدم علمي، كما هو الحال في بعض بلادنا العربية· ومن هنا المبالغة التي حدثت في تقدير مغزى دعوة الرئيس المصري مؤخراً إلى الاهتمام بالبحث العلمي·
فمثل هذه الدعوة لا يغير شيئاً بدون تحول ملموس في الذهنية السائدة في هيئات الدولة والمجتمع ذات الصلة بالعلم بدءاً من المؤسسات التعليمية وحتى الشركات العامة والخاصة· فالمستوى العام للتعليم في مصر، كما في بلاد العرب، في تراجع عموماً وفي العلوم والرياضيات خصوصاً· والشركات كبيرها وصغيرها تعتبر البحث والتطوير بمثابة ''ديكور'' يتزين به بعضها وبأقل تكلفة، بخلاف الشركات الغربية والآسيوية التي ساهمت في نهضة بلادها· ولذلك لا يجد الطلاب الذين


