في غمار الحرب على منظمة (القاعدة) ، لا ينبغي أن تتسبب المثل العليا الأميركية في إحباط الدفاع الفعّال عن البلاد· فماذا ينبغي على الحكومة أن تفعل عندما تعلم ، مثلاً، من خلال المصادر الاستخباراتية بالتهديدات أو الأخطار الكارثية التي تُحدق بالأميركيين، وعندما تكون على رغم ذلك عاجزة عن إقامة دعواها في المحاكم الجنائية ضد أولئك الذين يخططون لشن هجمات كتلك؟
فلنأخذ هنا على سبيل المثال حالة (خوسيه باديللا)، وهو عضو إحدى عصابات شيكاغو، والذي تقول الحكومة إنه عمل لحساب منظمة (القاعدة) في مؤامرة ترمي إلى صنع قنبلة إشعاعية قذرة·وما زال الأشخاص الرئيسيون الذين فضحوا أمر (باديللا) منعزلين·وقد كان من شأن عدم إمكانية مثول كبار أعضاء منظمة (القاعدة) أمام المحكمة، نفي إمكانية اتهام السيد (باديللا) بأية جريمة· ولذلك تم، بعد فترة قصيرة من عودته من الخارج في مايو 2002، اعتباره (مقاتلاً معادياً) بموجب قرار رئاسي، وصار رهن الاعتقال في أحد السجون الحكومية· وفي الأسبوع الماضي، أمرت محكمة استئناف فيدرالية بإطلاق سراح (باديللا) في غضون فترة أقصاها 30 يوماً.
وقد انتقل (باديللا)، على ذمة الإفادات الحكومية، إلى خارج الولايات المتحدة في عام 1998، وتنقل في أسفاره ما بين مصر وباكستان والمملكة العربية السعودية وأفغانستان· قيل إنه لم يسافر بقصد مشاهدة عجائب الدنيا· وتقول الحكومة إن (باديللا) في عام 2001 التقى في أفغانستان بأبو زبيدة وهو أحد كبار المخططين في منظمة (القاعدة)، وعرض عليه تفجير قنبلة إشعاعية في إحدى المدن الأميركية، فأرسله أبو زبيدة إلى باكستان ليتعلم صناعة القنابل.
وتزعم إحدى الإفادات الحكومية أن (باديللا) ناقش في عام 2002 كيفية مهاجمة الولايات المتحدة في عمليات إرهابية بالتعاون مع عملاء آخرين لمنظمة (القاعدة) في باكستان، وأن ذلك تم أيضاً بموافقة أبو زبيدة· وقد اشتملت الخطط على شن هجوم بـ(قنبلة قذرة) وتنفيذ عمليات تفجير في الفنادق ومحطات القطارات الأميركية·
وقد تبدو كل هذه الخطط أكبر من طاقة وإمكانية (باديللا) خريج عصابات الشوارع، لكن من السمات المميزة لمنظمة (القاعدة) قيامها باجتذاب وتعليم الجهاديين المحليين، ودمج مجموعة من المهارات المنحرفة مع السذاجة الأخلاقية التي تميّز المجندين الشباب·
وتقول الحكومة إن (باديللا) تلقّى أوامر بالعودة إلى الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات الاستطلاع أو لتنفيذ هجمات على مواقع أميركية، وأنه في 8 مايو 2002 سافر من باكستان إلى سويسرا ثم إلى شيكاغو· وفي مارس 2002، تم اعتقال أبو زبيدة على يد عملاء الاستخبارات في باكستان، وربما أنه أفشى بمعلومات عن تورط (باديللا)·
وقد واجهت الحكومة مأزقاً لدى عودة (باديللا) إلى الولايات المتحدة، حيث لا تتيح القوانين الفيدرالية المتعلقة بالأدلّة اعتبار التقارير الاستخباراتية برهاناً يوجب التجريم، وذلك مهما كان مستوى الثقة في المخبرين· وهكذا صارت كل المساعي، الرامية إلى اعتبار (باديللا) كشاهد لدى هيئة المحلفين الكبرى، مجرّد مساع مؤقتة باعتبار أنه لا يمكن إرغامه على الإدلاء بشهادته دون تمتعه بالحصانة·
ولذلك نفّذ الرئيس (بوش) الصلاحيات الممنوحة للكونغرس في زمن الحرب؛ وفي معرض الرد على هجمات سبتمبر، صدر عن الكونغرس قرار بتاريخ 18 سبتمبر 2001 يجيز للرئيس استخدام(كل القوة الضرورية والمناسبة (ضد )المنظمات أو الأفراد الذين يقرر (الرئيس) أنهم خططوا أو أجازوا أو نفذوا أو ساعدوا على تنفيذ هجمات إرهابية في 11 سبتمبر 2001) وذلك بغية (الحيلولة دون وقوع أية أعمال إرهاب دولية في المستقبل ضد الولايات المتحدة)·
واستناداً إلى قرار الكونجرس هذا، وإلى مسؤولية الرئيس الدستورية التي توجب عليه بصفته القائد الأعلى حماية الولايات المتحدة من أية هجمات، تمت إجازة شن الحملة العسكرية على أعضاء (طالبان) و(القاعدة) حول العالم· ومن المؤكد أن الكونجرس قصد بذلك أن يتم أيضاً لجم عملاء (القاعدة) الذين يخططون لهجمات مباشرة على الأهداف الأميركية، على الأقل عندما لا تتوفر طريقة قانونية أخرى· وهكذا تمت مطاردة (باديللا) لدى عودته من معقل منظمة (القاعدة) في باكستان وأفغانستان·
ومن الواضح أن الكونجرس لم يقصد ما حدث الآن· وعلى رغم أن قاضياً في إحدى المحاكم الفيدرالية اعتبر أن صلاحية الرئيس في اعتراض الهجمات الأولية خاضعة للمراجعة والتحقيق بموجب أمر قضائي، إلا أن الهيئة الاستئنافية افترضت أن الكونغرس لا يقدم وسائل لمنع عملاء لـ(القاعدة) مثل السيد(باديللا) من دخول الولايات المتحدة لتنفيذ الهجمات- باستثناء وسائل المقاضاة الجنائية· ولا بد وفقاً لذلك من الإمساك بعميل (القاعدة) وهو يحمل معه(متفجرات أو أسلحة)، لكي يتسنى اعتباره(منخرطاً بنشاط في نزاع مسلح ضد الولايات المتحدة)·
وتُغفل هذه النظرة المتفائلة مسألة تقسيم العمل الشائع في عمليات منظمة (القاعدة) على غرار طريقة النازي أدولف إيخمان، إذ تدخل في خانة النزاع المسلح مهمات