في الثمانينيات وعندما كنت موظفا في الحكومة ، جلست مع رئيسي وزير الخارجية (جورج شولتز) إلى مائدة عشاء خاص صغيرة في هونج كونج، مع رئيسة الوزراء البريطانية (مارجريت تاتشر). وانتهزت السيدة (تاتشر) فرصة توقف الحديث لتلقي قنبلة، وذلك عندما قالت إنها قد أجرت محادثات مع مسؤولين صينيين لنقل مستعمرة هونج كونج البريطانية إلى سيادة النظام الشيوعي في بكين.
تسمرت مشدوها في مقعدي، ولم أستطع أن أصدق أن تاتشر التي كنت أعجب أيما إعجاب بقوتها، قد رضخت في النهاية. كنت قد عملت من قبل كمراسل صحفي لمدة ست سنوات في هونج كونج، التي كانت قد تحولت إلى منارة للتجارة الحرة، على النقيض تماما من النظام الديكتاتوري الباهت في الصين الشيوعية وكان من الصعب عليّ تخيل أن تتم إعادة سكانها إلى الصين التي فر أكثرهم منها من قبل.
وعلى رغم أن قلبي قد توجع في ذلك الحين لهذا المصير، إلا أنني وبمضي الأيام بدأت أتقبل حتمية الأحداث. كانت شبه جزيرة (كاولون) ومساحة أخرى من الأرض في الصين الرئيسية، تحت السيادة البريطانية بموجب عقد إيجار ينتهي عام 1997، وبدونهما ما كان يمكن لجزيرة هونج كونج أن تصبح كيانا قادرا على الحياة. كانت مقاومة بريطانيا للصين بالقوة أمرا غير قابل للتفكير فيه من الأساس، إذ كان باستطاعة الصينيين - كما جاء على لسان ضابط بريطاني (أن يستردوها في أي وقت يشاءون، بمكالمة هاتفية).
وما حدث مع مرور الأيام، هو أن الصين - التي حافظت على طبيعة نظامها القمعي- قد أصبحت أقل شيوعية، مما جعلها تسمح لهونج كونج بالمحافظة على جزء كبير من شخصيتها القائمة على المشروعات الحرة.
الدرس الذي نستخلصه من كل ذلك، هو أن الحكومات تقوم أحيانا باتخاذ قرارات تتراوح في طبيعتها بين المثالية، (مثل قيام بريطانيا بخوض الحرب من أجل جزر الفوكلاند)، وبين الواقعية (قيام بريطانيا أيضا بالتخلي عن هونج كونج للصين)· لذلك فإنه لم يتملكني الغضب الشديد، الذي تملك واحدا من أنصار الرئيس بوش المحافظين المتعصبين، عندما تبنى موقفا براجماتيا وحذر رئيس تايوان(شن شوي بيان)، ودعاه للتخلي عن موضوع محادثات استقلال تايوان. في الظاهر يبدو هذا الموقف متعارضا مع كل ما يتبناه الرئيس بوش بشأن الديمقراطية والحرية. فتايوان التي تحولت إلى ملاذ للصينيين الفارين من وجه الشيوعية حققت- مثلها في ذلك مثل هونج كونج-نجاحا اقتصاديا مذهلا ، علاوة على أنها تتمتع بحريات تمايز بوضوح بينها وبين الصين الشيوعية.
وهناك روابط عاطفية قوية بين الولايات المتحدة وتايوان. فالعديد من الأميركيين، وممثليهم في الكونجرس، يعجبون بشعب تايوان ويساندونه. مع ذلك فإن دواعي الواقعية السياسية تتطلب من إدارة بوش أن تدخل في علاقات مع الصين الأم، وتقيم معها علاقة مستقرة، وخصوصا أن الصين تمر في الوقت الراهن بعملية تغيير، وتتحول بشكل تدريجي إلى لاعب قوي في آسيا. فالصين تلعب على سبيل المثال دورا غاية في الأهمية في المباحثات الرامية لتقييد برنامج تطوير الأسلحة النووية الكوري، وهو هدف رئيس من أهداف الحملة الأميركية ضد الإرهاب.
لذلك فإن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على درجة من التوازن الدقيق، بين الصين التي تربطها بها مصالح اقتصادية وسياسية قوية، وبين تايوان التي تنسجم معها أكثر من الناحية الإيديولوجية والعاطفية.
ولقد نجحت أميركا في القيام بذلك من خلال سياسة بارعة تقوم على التمويه والتغاضي بهدف المحافظة على ثبات (الوضع القائم) بين الدولتين. وثبات (الوضع القائم) يعني أن تعترف الولايات المتحدة بالصين رسميا، مع المحافظة في الوقت نفسه على علاقات صحية،غير رسمية مع تايوان. من جانبها تدعي الصين أن تايوان هي جزء من الصين في الحقيقة. أما تايوان، التي لا يراودها سوى أمل ضئيل في إمكانية إعادة استرداد الصين الرئيسية، فإنها ستجادل من منظور فلسفي بالقول إن سلطتها يجب أن تسود هناك. والدولتان القائمتان على جانبي مضيق تايوان مدججتان بالسلاح، ولكن التجارة والاتصالات الأخرى بين الدولتين ظلت ماضية في التنامي، في الوقت الذي نجح فيه الطرفان في تجنب الحرب.
والشيء الذي يمكن أن يفسد ترتيبات (الوضع القائم) هو قيام تايوان بأي حركة لتجاوز حرياتها الحالية، وإعلان الاستقلال. فذلك سيعني أن طبول الحرب ستبدأ في الدق في بكين، مما سيؤدي بدوره إلى زيادة خطر وقوع انفجار في آسيا، وهو ما لا تحتاجه الولايات المتحدة أو تريده.
إن موضوع الاستقلال هذا هو تحديدا ما قام الرئيس التايواني بإثارته، عندما تعهد أثناء حملته الانتخابية بعقد استفتاء على مسألة مطالبة الصين بسحب صواريخها الموجهة إلى تايوان، ومطالبتها بالتعهد بالعمل على التوصل إلى حل سلمي للموضوعات العالقة بينهما. وقد قام الرئيس بوش الذي انتابه القلق بسبب تزايد حدة التوتر بين البلدين، بشجب مبادرة الرئيس التايواني بعبارات قاطعة ووصفها بأنها تهدد بزعزعة (الوضع القائم) الحرج.
ولكن وفي الوقت الذي تفرض دواعي الواقعية السياسية على الولايات المتح


