هذه القصة تبدأ بالدجاجة والديك وليس بالبيضة، إذ تبين في نهاية المطاف أن عُرْف الدجاجة والديك، هو المصدر الأفضل لنوع من السكر يعرف باسم (هيالورونان)، وهو مركّب يقول بعض الأطباء الآن إنه ثاني أهم وأشهر عقار بعد (بوتوكس) (الإسم التجاري لعقار مركب من سم البكتيريا المستخدم لتسكين الآلام وعلاج التجاعيد)·
وقد بدأ استخدام هذا السّكر لحماية العين أثناء العمليات الجراحية، ولتخفيف الالتهابات في مفصل الركبة المصابة بالتهاب المفاصل وكذلك لمنع تشكل الندوب بعد العمليات الجراحية. وقد بات عقار (هيالورونان) في الآونة الأخيرة معروفاً بكونه العلاج الأحدث للتخلص من تجاعيد الوجه.
ويحدو الباحثين والأطباء أمل في أن الـ(هيالورونان)، الذي كان في السابق معروفاً باسم حمض (هيالورونيك آسيد)، ستكون له استخدامات كثيرة، إذ أنهم يبحثون عن طرق لتسخير قدرته على التأثير في الخلايا.
وقد تحقق اكتشاف (هيالورونان) في عام 1934 على يد (كارل ماير) في مختبر طب العيون في جامعة (كولومبيا)، حيث اكتشف (ماير) هذه المادة في عيون الأبقار وأصر حينئذ على أنها تساعد العين على الاحتفاظ بشكلها وصحتها. وقد كانت المادة شديدة اللزوجة، الأمر الذي جعل (ماير) يظن أن من الممكن أن يكون لها استخدام علاجي.
غير أن فقأ عيون الأبقار واقتلاعها لم يكن بالأمر الذي يفتح الشهية أو يتمتع بالجدوى التجارية. وهنا أتى دور العالم الهنغاري الدكتور (أندريه بالازيز) الذي انتهى به المطاف أيضاً في جامعة كولومبيا، حيث استخدم أساليب وإجراءات (ماير) وتوصل في مطلع عقد الأربعينيات إلى طريقة لاستخلاص وتنقية مادة (هيالورونان) المستخرجة من عرف الديك.
وقد كان معلوماً آنذاك أن عرف الديك يشكل (أغنى مصدر في العالم لمادة هيالورونان)، على حد قول الدكتور (فينسينت هاسكال) الباحث لدى (مؤسسة كليفلاند كلينيك)· وأشار الدكتور (فنسنت) الذي درس خصائص هذا الجزيء إلى أن عرف الديك والدجاجة مادة متوفرة بكثرة لأنه يُرمى بين النفايات بعد ذبح هذه الطيور، وأضاف أن نسبة الـ(هيالورونان) ترتفع في عرف الديك إلى مستويات عالية جداً في استجابة لإفراز هرمون (تستستيرون)، وأن هذه المادة موجودة أيضاً في عرف الدجاجة لكن نسبتها ليست كبيرة كما في عرف الديك.
ويوجد الـ (هيالورونان) أيضاً في أجسام البشر والثدييات، ويوجد بشكل رئيسي في النسيج الضام (المحيط بالأعضاء) وفي العينين والحبل السُّري وفي السائل المفصلي حيث يؤدي وظيفة الوسادة التي ترتكز عليها المفاصل.
ويقوم الأطباء البيطريون منذ السبعينيات بحقن الـ (هيالورونان) في رُكَب أحصنة السباق المصابة بالتهاب المفاصل بغية تخفيف الإصابة، ومازال مستخدماً في العيادات البيطرية في العمليات الجراحية التي يجريها الأطباء لعيون الحيوانات.
غير أنه لم يتم استخدام الـ(هيالورونان) لمعالجة البشر إلاّ في عام 1980، بعد أن باع الدكتور (بالازيز) براءات اختراعاته ومناهج بحثه إلى شركة الأدوية السويدية Pharmacia، التي طرحت في الأسواق آنذاك عقار Healon المستخدم في جراحات علاج مرض السُّد (إعتام عدسة العين) لحماية القرنية أثناء تركيب عدسة جديدة في العين. وقد صار Healon الآن ملكاً لشركة Pfizer ، غير أن إنتاج الـ (هيالورونان) ما زال مستمراً في السويد اعتماداً على طريقة الدكتور (بالازيز)·
وقد سعت شركة Pfizer إلى تهجين واستيراد الديوك لإنتاج سلالة منها ذات عُرف عملاق؛ وفي إحدى المراحل كبر العرف واكتسب حجماً هائلاً، على حد قول الدكتور (رولف بيرغمان) أستاذ الكيمياء في جامعة (أوبسالا)-شمال (استوكهولم)، وهو يتولى الإشراف على عملية إنتاج الـ(هيالورونان)·
وقال (بيرغمان): (لقد قمنا بإيقاف نمو (العرف) وتضخمه، لأن الديك صار فجأةً يعجز عن رفع رأسه)؛ وأضاف أن شركة Pfizer تلتزم على نحو صارم بمبادئ الرفق بديوك اللَّغرَن الأبيض (نوع من الدجاج البيّاض) التي تجري عليها التجارب، وذلك تماشياً مع قوانين أخلاقيات البحث السويدية. وفي هذا ميزة إيجابية، حيث إن العناية الدقيقة تعني مُنتجاً أفضل، (وإذا كانت الديوك في حالة جيدة، فإننا نحصل على هيالورونان ذي جودة أعلى)·
ولاستخلاص الـ(هيالورونان) تتبع Pfizer والشركة الكبرى الثانية Genzyme الطريقة ذاتها من حيث الأساس.
وتقوم Genzyme ، التي تتخذ من (كامبريدج) بولاية (ماساتشوستس) مقراً لها، باستخلاص المادة من نوع من الدجاج المنتشر بكثرة في مزارع المناطق الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة. وتتم إزالة العرف عن جسم الديك بعد ذبحه (يباع الجسم كمادة غذائية)، ثم يتم تجميده وشحنه إلى المصنع. ومن المعلوم أن التجميد يساعد في القضاء على البكتيريا. غير أن شحنة العرف يتم تسخينها لدى وصولها إلى المصنع، لتصل إلى درجة حرارة الغرفة، ثم يتم تقطيعه إلى شرائح يتم غمرها بالماء في وعاء كبير حيث يجري غسلها وإزالة بقايا البكتيريا والريش والدم وأية مواد ملوِّثة.
ويتم استخلاص الـ(هيالورناون) أيضاً من بكتيريا المكورات الع