لسنوات عدة حارب نواب محمد أكبر خان بوكتي الجيش الباكستاني، فأصبح هذا الرجل ذو الثمانين عاماً المختبئ في جبال بلوشستان أسطورة في الكفاح من أجل حكم ذاتي ضد ما كان يعتبره "وحشية". وكان "بوكتي" شخصية ممقوتة ومقدسة في آن معاً، غير أنه باعتباره وزيراً فيدرالياً وحاكماً سابقاً، كثيراً ما كان رمزاً لكفاح سياسي وعنيف. ولذلك، فمن المرجح أن يشكل مقتله نهاية الأسبوع الماضي، خلال معركة استمرت ثلاثة أيام وخلفت ثلاثين قتيلاً، ضربة قوية لاستقرار باكستان. كما يرجح أن يقفل الباب أيضاً –حسب بعض المحللين- أمام مجموعة يرى البعض أن بإمكانها أن تشكل ثقلاً مضاداً للتطرف الذي يمثله صعود حركة "طالبان" من جديد بالمنطقة. وفي هذا الإطار، تقول "سامينا أحمد"، مديرة قسم جنوب آسيا بـ"منظمة مراقبة الأزمات الدولية": "هذا ليس مؤشراً جيداً؛ فقبل بضع سنوات فقط، كان نواب بوكتي يتحدثون مع الحكومة. ولذلك، فقد كان الإبقاء على ذاك الباب مفتوحاً هو الأسلوب الأمثل الذي كان ينبغي اتباعه. غير أن ذلك الباب أغلق اليوم". هذا ومن المرجح أيضاً -حسب بعض المحللين- أن تمتد تداعيات مقتل "بوكتي" إلى المنطقة برمتها، حيث يوجد البلوش في عدة بلدان بالمنطقة ويعيش ملايين منهم في المناطق الحدودية مع إيران وأفغانستان. وفي هذا السياق، يقول طلعت مسعود الجنرال المتقاعد ومحلل الشؤون الدفاعية بإسلام آباد: "لاشك أنهم سيوفرون الملجأ لنشطاء بلوشستان، وسيبدون تعاطفاً كبيراً معهم". وقد ارتفع في الأسابيع الأخيرة عدد الهجمات في إقليم بلوشستان، ما ترك آثاره على القوات الباكستانية –العدد لم يفصح عنه- وذلك ضد اتحاد من النشطاء الانفصاليين الذين يفتقدون إلى التنظيم المحكم، ولكنهم يتميزون بالقوة. فيوم الجمعة الماضي، أي بيوم واحد قبل مقتل "بوكتي"، انفجرت سيارتان ملغومتان في مدينة "كوتا"، ما أسفر عن جرح 13 شخصاً. وباتت أعمال التخريب مشهداً عادياً في محيط المدينة، حيث يستهدف النشطاء المرافق العسكرية وأنابيب الغاز التابعة للحكومة. وقد أعلن الزعماء البلوش أن الجيش رد عبر القصف الجوي وطائرات الهيلوكبتر الحربية، وهو ما نفته إسلام آباد. ونتيجة لذلك، شلت أعمال العنف الحركة بأجزاء واسعة من بلوشستان يوم الأحد؛ وتعهد الزعماء البلوش بخوض إضراب عام. ويرى محللون أن عواقب هذا التصعيد وتداعياته على المعركة الأكبر ضد الإرهاب ستكون خطيرة. وفي هذا السياق، يقول الجنرال مسعود: "إنه أمر كارثي، ذلك أن تسخير الجيش الباكستاني في بلوشستان على نحو كبير سيصرف الانتباه عن الحرب ضد الإرهاب". وهو قلق له ما يبرره، خصوصاً وأن عناصر "طالبان" يزدادون قوة وتأثيراً في بلوشستان، حيث باتوا يستعملون عاصمة الإقليم كويتا –حسب البعض- قاعدة لعملياتهم بجنوب أفغانستان. والحال أنه معروف عن البلوش معارضتهم القوية لـ"طالبان". غير أنه في ظل مقتل زعيمهم على يد القوات الحكومية، يعتقد العديد من المراقبين هنا أن حظوظ السلام بالنسبة للمستقبل المنظور قد تقلصت بدرجة كبيرة. وتعود أسباب التمرد الطويل بالإقليم إلى إحساس بالظلم والإجحاف بخصوص توزيع الثروات الطبيعية، ذلك أن بلوشستان، الذي يعد أكبر أقاليم باكستان مساحة وأكثرها فقراً، يزخر بالمعادن والغاز الطبيعي وكذلك بشلالات الدماء. فقد اكتشف الغاز الطبيعي لأول مرة في بلوشستان في الخمسينيات، غير أن معظمه كان ينقل إلى العاصمة إسلام آباد وأجزاء من البنجاب، في حين تعد أجزاء من بلوشستان خالية منه اليوم. وفي ضوء رفض الدولة لمطالب البلوش المتمثلة أساساً في إدارة ذاتية أوسع نطاقاً وقدرة على التحكم في الثروات، خاض نواب "بوكتي" وزعماء بلوش آخرون سلسلة من الحروب ضد إسلام آباد منذ 1970. وتتوفر بلوشستان، المعزولة عن الحكومة المركزية بسبب التضاريس الوعرة والخلافات السياسية، على جيوب للتطرف لطالما استغلتها "طالبان"، إذ يشترك الإقليم مع أفغانستان في حدود غير مأهولة تمتد على مئات الأميال، وهو ما يوفر لـ"طالبان" جبهة مواتية تشن منها عملياتها داخل أفغانستان. ويرى مراقبون أن الثقل المضاد الأكثر فعالية لـ"طالبان" ليس سوى الأشخاص الذين يستهدفهم الجيش اليوم في عملياته العسكرية، حيث يمثل البلوش –في نظر عدد من المراقبين- قوة مضادة للمتطرفين، خصوصاً وأنهم يتبنون القيم السياسية الليبرالية والديمقراطية. كما يقول البلوش إن كفاحهم من أجل الحكم الذاتي والمزيد من الحقوق السياسية يتقاطع مع الأجندة الأكبر المتمثلة في محاربة الإرهاب. وفي هذا الإطار، يقول "أكبر منغال"، العضو في الجمعية الإقليمية عن "الحزب القومي البلوشستاني": "إننا نحارب في جو يشبه ذاك الذي تحارب فيه الولايات المتحدة". غير أنه بدلاً من تشجيع الأحزاب البلوشية، يقول عدد من الزعماء والمحللين، عملت الحكومة على إضعافها، واستهدافها –وليس "طالبان". ويضيف منغال قائلاً: "كل تلك المساعدات والأسلحة التي منحتها الولايات المتحدة لباكستان من أجل محاربة "القاعدة" و"طالبان"، إنما تستعمل من قبل الجيش الباكستاني ضد القوميين في بلوشستان". وقد اعترف مسؤولون أميركيون بذلك أمام وسائل الإعلام الغربية، قائلين إنه ليس باستطاعتهم دائماً مراقبة طريقة استعمال الجيش الباكستاني لأسلحتهم. ومن جانبها، ترى "سامينا أحمد" وآخرون أن ثمة وقائع كثيراً ما يتم إغفالها من قبل واشنطن وقوى غربية أخرى إذ تقول: "إذا كانت ثمة رغبة حقيقية في مواجهة تهديد طالبان في بلوشستان، فإن البلوش حلفاء يتمتعون بالمصداقية. والواقع أنه من مصلحة الجميع –أفغانستان والولايات المتحدة- رؤية السلام في بلوشستان". ديفيد مونتيرو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في كويتا- باكستان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"